الرئيسية / اخر المقالات / محمد سامي يكتب “عن مذبحة القلعة”

محمد سامي يكتب “عن مذبحة القلعة”

الآن نحن في الأول مِن مارس في سنة إحدىٰ عشر و ثمانمئة و ألف (1811 م).
عندما أعلن (محمد علي باشا) عن خروج ابنه (طوسون) علىٰ رأس جيش إلىٰ نجد، لم يکن عليه أن يودع ابنه فقط ؟!

قبعتْ قمة المقطم بين الظلال تلامس أنامل السماء، والنسر يحلق مِن فوقها عاليًا يصيح و يزعق، کانتْ الدنيا في ذلك الوقت علىٰ مشارف الصيف، و کان ذاك اليوم أفضل مِن أمسهِ مِن حيث الطقس الصحو، فالتمس الناس الدفء في الجو.
وقد دلف المماليك إلىٰ قلعة الجبل علىٰ صهوات الجياد المطهمة، کانوا قرابة النصف ألف، کل منهم في زينتهِ، أرديتهم ذهبًا، تدلتْ معاطف الفرو مِن أعلىٰ خلفهم، وثبُتتْ بنادقهم بين سواعدهم والقلوب، وعلتْ العمامات المصقولة فوق رؤوسهم مثل التيجان، ذوي لحىٰ منمقة بيضاء وأشيبة.
رنَّت موسيقىٰ الحوافر في أعلىٰ البهو، وکانوا هم ينظرون إلىٰ ما هو أبعد مِن أنوفهم في غرور.

کانتْ أعراف جيادهم مضفرة وموضوعة علىٰ أعناقها الشامخة. شرعوا في المشي في مناکب القلعة يتقدمهم (شاهين بك الألفي)، و(سليمان بك البواب)، و(يحيیٰ بك نعمان)، و(أحمد بك الکلارجي)، و(سليم بك الدمرجي) وغيرهم.
حدقوا مطولًا في الردهات الممتدة مثل الأنفاق، ثم مالوا علىٰ بوابة القلعة و ترکوا سلاحهم هناك.
هؤلاء هم السائرون إلىٰ حتفهم!

ارتفعت الظلال في الوراء، والمقطم متضخم کأنه عالم بمفرده.
وسرعان ما بوَّق حملة أبواق الترحيب في أبواقهم مِن أعالي القلعة، فدوَّت أصداؤها في السهل المترامي للجبل العتيق، ومِن الخارج أقبل الناس إليها يزفون، خماص البطون، وقفوا في الصباح الحالم يتطلعون إلىٰ ما سيصيبهم مِن وراء هذا الحفل طامعين في کرم الوالي.

مکث الفرسان عند البوابة لبعض الوقت، ومِن خلفهم نزل شيء ما فوق السور، ثم اجتازه دون أن تلاحظه الأعين!

و في الداخل کان يجلس أفعىٰ ألبانيا، محاولًا نفي خبثه، يحفل عقله بالکثير مِن الأفکار، لکنه يظل الرجل الذي أعاد إلىٰ مصرنا بعضًا مِن بريقها، بشيء منهيِّ عنه شرعًا!
کانت لحيته الأشيبة منتصبة علىٰ نحو مدهش عندما تأهب لاستقبال ضيوفه، أو ضحاياه إذا صح التعبير.

الضيوف هم المماليك و غيرهم، جاءوا مِن کل حدب، وكأن الباشا قد أمر فتيانه بإيقاد نار الضيافة أعلىٰ المقطم حتىٰ يراها کل مار.
و في البهو الکبير کان الحفل الصاخب.
ارتفعتْ فيه أقداح الخمر نحو المباسم، والتفتْ الجماعات حول الموائد العامرة، ثار الماء في قنان النارجيل، وانساب الدخان مِن الوجنات الکبيرة، وسرتْ رائحة التبغ في أروقة البهو، وأسرع الخصيان والسقاة إلىٰ تلبية أوامر السادة، والچاشنکير کان يعمل علىٰ قدمٍ وساق.

في صدر المجلس جلس المضيف علىٰ الأريكة، ولسان حاله يقول: (لي مُلك مصر).
حاد الملامح تلتمع عيناه بالغدر، وتتقد بالنظرات الودودة نحو المماليك.
تمتع بعيني أبيه الذئبية التي عملتْ في الخفارة لسنوات، ومِن أسفل تلك العينين الذئبية ارتسم خطان شاحبان کجدولين يتصارعان في البرية.
ربض خنجره علىٰ فخذيه في غمده الذهبي، آهٍ لو أفشتْ هيئته شيئًا مما في نفس صاحبها.
صاحبها ذو النظرة المقتضبة، والوجه المتجهم الکبير.
عمامته بيضاء مثل رأس الطبيه، ملفوفة بعناية علىٰ رأس تومىء مجامِلة للحضور.
يتدثر بالألبان و الأرناؤوط.

له قرينان!
أما الأول: فکان عن يمينه وهو (حسن باشا الأرناؤوطي) قائد فرقة جند الأرناؤوط، صاحب البطن التي لو انفرط عقدها لجرت أروقة الحفل مثل الأنهار.
و أما قرينه الثاني: فکان عن يساره و هو (الکتخدا محمد بك لاظ أغلي)، فـبئس القرينان!

بالقرب منهم وقف کل مِن الأشقر (صالح قوج) رئيس کتيبة حرس الشرف.
و البدين (إبراهيم أغا) حارس أبواب القلعة.
هم وإن کانت رتبهم متباينة، إلا أنهم کانوا مجتمعين في قصر القامة، وإني لأتسائل کيف يخرج کل هذا التدبير المحکم، مِن هولاء القصار ؟!
لکن (لا تستهن بالقصار)

و في موضوع ما مِن زخم الحفل، وقف الشيء ما محدجًا نحو جماعة بعينهم، کان طيفًا لا يُرىٰ!
زحفتْ طلائع النهار نحو منتصفه.
في أعقاب الحفل الذي امتد إلىٰ المساء، بإشارة صغيرة مِن (شاهين بك الألفي)، کأنه يقول: (قِفا للذهاب).
دوتْ الأبواق ثانية علىٰ إثرها، فـصنع حرس الشرف صفين طاعنين في الطول علىٰ جانبي الطريق.
ثم تقدم المماليك علىٰ خيولهم المطهمة يشقون قلب الموکب، ولم يفطن أحدهم إلىٰ أن طريق الخروج تغير، فليس هو ذاته الذي دخلوا منه!
أصاب الخمول أجسادهم، کانتْ أرواحهم ثملة، خُيل إليهم أن الحراس بدون رؤوس، أو أنهم يحملون وجوهًا بلاستيکية عوضًا عن الخوز، وأن صخب الأبواق لا يخرج إلا مِن أعناق خيولهم!

هاج المقطم عندما تلاقتْ أولىٰ خيوط الظلام، وهبتْ الريح مِن فوق صفوان عليه تراب، کانت خفيفة لکن محملة بالأتربة، خارتْ خوار العجل في تجاويف القلعة، لکنها لم تدم طويلًا في المساء الحزين، ليتبع تلك الخفقة سکون تمام.
ولمَّا أمنعوا في السير يتملقهم حراس الشرف، وتدفع الأبواق خيولهم دفعًا، في الأمام يمشي الأکبر سنًا ومقامًا منهم، يقود الحشد (صالح قوچ) إلىٰ باب وسطاني (کان حديث الإنشاء)، يتصل ذلك الباب بباب آخر هو باب العزب، عن طريق ممر قصير يبلغ مِن الضيق ما يجعله لا يتسع إلا لفارسين متجاورين.

طرق المماليك باب موتهم الأول حتىٰ اجتازوه، واجتمعوا کلهم في الممر القصير الضيق مثلما اجتمعوا في الحفل، وبعد أن عبر (صالح قوج) بفرسه باب العزب، أسرع الجنود إلىٰ إغلاق الباب الوسطاني مِن خلفهم، کما هرعتْ جماعة أخرىٰ إلىٰ إغلاق باب العزب مِن قدامهم، وقبع المماليك في الممر مکفهرة وجوههم.

کانتْ السماء بلا قمر حتىٰ المحاق منه لم يظهر، تناثر الرماة فوق برج السباع وفوق الأسوار مِن أعلىٰ، ومِن أسفل توارىٰ حرس الشرف حول صخور الممر، في صورة أشباحٍ صامتة في الليل، والطيف رابضٌ في أحد الأركان ينتظر أن تحين ساعة عمله!
نعقتْ قطع الليل مثل الغربان بدون صوت.
حُبست أنفاس مُتسلقي البرج والأسوار، وفي مقابلتهم عنَّتْ الخيول في ضجر، ثم علتْ همهمة في الممر مثل جلبة النهر عند المد، تکدستْ الأحصنة واستعصتْ أعنتها علىٰ راكبيها،

وارتعشتْ السواعد القابضة علىٰ کل لجام، وعصفتْ الحيرة بهوىٰ کل مملوك، كأنه ينادي في الظلام خفيرًا فيخرج إليه قطاع الطريق، أو کأنه يصطلي بکعوب قناتهِ!
و عندما حاولوا انتشال أنفسهم مِن غياهب السکر؛ کان کل شيء قد انتهىٰ.

ما الذي وضعه الچاشنکير اللعين في الطعام ؟!
ما الذي وضعه السقاة والخصيان في الشراب ؟!
امتلأتْ بطونهم وشعروا بثقلها وقد تحولت إلىٰ کروش، تکفل الشراب بدحض عقولهم فحبطتْ همهم، لو کان هناك متسع لکالوا فيضًا مِن اللعنات لهؤلاء الخصيان الذين کانوا يعصرون خمرًا.
وتتشح جدران الممر بشبح (القوللي)، متهکمًا وهو يطلق قهقهة ساخرة ويقول: (ماذا تظنون أني فاعل بکم ؟!).
ماذا صَنعتْ بهم الأنفاس التي سحبوها مِن النارجيلة ؟!
أين ذهبتْ عقولهم عندما فتکوا بأقداح الشراب ؟! والتهموا الطعام، وسحبوا الأنفاس، وسمعوا الموسيقىٰ، وشاهدوا الغانيات وهن يرقصن ؟!

الآن لا جواب شافٍ،
لا شرح،
لا منفذ،
الممر مغلق بإحکام.
سادات الکر والفر قد نفدتْ جعابهم مِن الحيل، وخناجر الزينة لن تغني عنهم شيئًا.
و هم يقعون في مرمىٰ هدف الأرناؤوط القساة، الذين لن تأخذهم بهم رأفة.
***
زاغتْ الأبصار وبلغتْ القلوب الحناجر.
لا مفر؛ الموت في كل مكان.
تسابق البارود إلىٰ الأجساد، فـسقطت هامات المماليك مثل رقاب المصلين، واستقر الطلق الغاشم المندفع مِن فوهات البندق في الرؤوس والأعناق.
هوتْ الأجساد مِن فوق السروج، انطلقت زوابع مِن الصراخ، والعويل، والهمهمة، والنواح اهتزتْ لها الجدران.
ألقت الخيول ما فوقها وشرعتْ في الرکض ذهابًا وعودة کأن رعبًا يطاردها، تفتك سنابکها بمَن به رمق.
وقد حال البابان المغلقان بين أسيادها والحياة، وحرس الشرف طفقوا علىٰ حصد الأرواح، لا رصاصة واحدة طائشة، کل الرصاص في مقتل.
والطيف يتنقل بين الجثث الهاوية في سرعة مذهلة، حتىٰ زال الغطاء عن بصرهم الحديد، ثم تلاشیٰ بعد أن تركها دون حياة.

أسد الفلا في عرينهِ ينتظر سماع ما يسره، کيف کان مضيفًا کريمًا بنهار، وکيف أصبح في ظلام الليل هجَّامًا يُطلق جنوده فيسلبون الأرواح المملوکة لدىٰ جسد مملوك.
والقلعة التي شهدتْ علىٰ صولات المتقدمين مِن المماليك، هي ذاتها التي شهدت علىٰ مذبحة أسلافهم.

مات اربعمائة و سبعون منهم.
هناك مَن مات رميًا بالرصاص.
وهناك مَن مات تحت سنابك الخيل الهائجة المزعورة.
و قد تکفل الخصيان والأرناؤوط بذبح مَن کان به رمق.
ولم ينج مِن هذه المذبحة سوىٰ مملوك شاب يُدعىٰ (أمين بك) ضئيل المقام.

کان موقعه في مؤخرة الرکب، أغنته ضألة مقامه عن الموت في مثل هذا السن.
و قد فعل ما عجز عنه عوالي المقام، هرب مِن قبضة الأرناؤوط، وهذا صنيع يستحق الثناء في نظري.
عندما انهال البارود وسقط مثل الصواعق فوق الممر، شبَّ البدين وانطلق به يصهل، لزم ذنبه ما بين قائميه الخلفية، تضرب أطرافه حواف بطنه الأبجر.
يخرج بخار الخوف مِن منخاريه دائريًا، يسبقه في عتمة الطريق، حتىٰ تسلق السور بالناجي الوحيد! وعلىٰ حين غفلة مِن الحراس، ومِن إحدىٰ فجوات السور قفز المملوك الشارد!

نعم قفز بحصانهِ مِن أعلىٰ السور مثل الخفاش، لأکثر مِن عشرين مترًا، وعندما اقترب مِن الأرض وثب مترنحًا مِن فوقه، يتقلب ويتمرغ في التراب.
واصطدم جثمان صاحب الصهيل بالأرض، فـلاقىٰ مصيرًا أبشع مِن مصير المماليك.

مات المماليك إلا واحدًا.
وعاشتْ خيولهم إلا واحدًا.
وتمکن المملوك الشارد مِن الهرب إلىٰ حدود القاهرة.

بقلم الكاتب: محمد سامي

عن fatima saleh

شاهد أيضاً

“النازية وأقنعتها”

  – « ما أنت سوى لاجيء» جملة اخترقت مسمعي لتطلق آلاف الأفكار لعقلي مع …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *