الرئيسية / قصص قصيرة / ((بنت صالح )) تكتب ..

((بنت صالح )) تكتب ..

المنظرُ رائعٌ حقًا
اعتَدتُ النهوض باكرًا كل يوم، أو ربما يُجبرني النهوض على الاعتياد ، وربما أيضا لا أنام فيتبَادر فى ذهني إننى أصحو باكرًا!!
دعونا نتغَاضى عن هذا الاعتياد، ونتَأمل هذا المنظرُ البَديع، ودعوني أيضا أُخبركم بموقعي الآن تحديدًا ..
أقف أمَام نافذتي الزجاجية العَازلة للصوت بعض الشيء، فيتَقاسم الصَخب والضوضَاء نصفًا إلى نصف، فالأول يقع خارجها بينما النصف الآخر قرر أن يحتَل أذُني طيلة الوقت، ولكن حتى أكون صادقًة، فقد يُهدينَني بعض السكون فَجر كل يوم ..
إلى موقعي المِثالي نعود خَلف زجَاج نافذتي التي تطل على النيل مباشرة فى حجرة بالطابق السادس بوسَط البلد بقاهرة المعز .. ما أجملها حقًا.
أعلم بماذا تهمسون!!
يالها من سعيدة حظ..
تربطني علاقة قوية بتلك النافِذة، فرغم صغرها الواضح إلا أنني أرى منها كل التفاصيل، وربما أرى العالم أجمع ..
ها قد بدأ يومي، الشمس تبدأ رحلَتها من هناك حيث أرَاها تداعب النيل الذي يرجوها أن تمنحه بعض الدفء فلقد عانى المسكين طيلة الليل من قسوة القمر!
عجبًا أويقسو القمر؟!!
نعم يفعلها ..
تراقصت أشعة الشمس وأشرقت بنور ربها وملأت الكون ضياءٌ .. أرى الناس من موقعي يتوافدون واحدً تلو الآخر وبخطى مدروسة وكأنهم يتحركون على لوحة الشطرنج .. خطواتهم محسوبة فتعلم جيدًا إلى أين تقودهم.
فتأتي تلك العربة المتصاعد منها بخار الماء ..

كنت أعلم بمجيئَك فى كل مرة وقبل أن أنهي جملتي المعتادة عن تلك الأمنية وتلك العربة، يسبقني العم رزق ذلك الكهل البشوش نحيل الجسد ذو البشرة السمراء وتجاعيد الوجه المُتغضِّنة!!أرى تجاعيد وجهه وكأنني انظر الى راحة يدي لطالما عشقت حركات جسده التي انطبعت في ذهني وستبقى إلى الأبد، يلوِّح بيده فى عُجالة من أمره ..

ها هو يبدأ فى طلبة المعتاد يده تتحدث بدلاً من شفتاه ..دعوني افسر لكم ما يقول..
يرفع يده ينظر إليه صاحب تلك العربة طبق من الفول ورشة ملح مع قليل من الزيت ويعصر اصابعه رويدًا نعم فهمنا عم رزق ( قليلا من الليمون )..
يأخد طلبه ويسحب بيده الأخرى الكثير من الخبز أتمنى أن أعرف إلى أين يذهب كل هذا الطعام أيها النحيل ؟!.

وكعادتي كل يوم أدعو الله له ( بالهناء والشفاء ) …….

بدأت لوحة الشطرنج تزدحم كعادتها، إنها الثامنة صباحًا حان موعد انتشار كل العساكر على أرض الواقع ليواجهوا الزحام بمفردهم .. عفوا أقصد العاملين والساعين وراء أرزاقهم .. أعرف تلك الوجوه جيدا!

تلك المرأة الآتية من بعيد أسميتها زينب، أرى أن بطنها برزت عن الاسبوع الماضي ربما أصبح موعد ولادتها قريب .. من خلفها مباشرة تأتي ” لارا ” _ أرجو ان يكون اختياري للأسماء موفق _ ..

لارا تلك الهيفاء فارعة الطول صاحبة البشرة البيضاء والشعر الأحمر ذات الكعب العالي وألوان الملابس الصارخه، كعادتها تتمايل في خفة وهي تتحدث فى هاتفها وترفع بيدها الأخرى الشعر المنسدل على عينيها .. بجانب لارا تمشي فى عجلة ” حبيبة ” تلك الفتاة الرقيقة بحجابها الأبيض وردائها البني وحقيبة المدرسة ذات الألوان والرسومات المتداخلة ..
” أسرعي يا حبيبه سيفوتك طابور الصباح ”
” العم رزق !!..
أين أنت أيها العجوز الماكر؟! لقد غبت عن ناظري، فلم أرَك وأنت تغادر، حسنا أراك غدا على خير ولكن لا تتأخر حتى لا تتأخر معك شمس الغد!!
حسنا دعونا نعود إلى ذلك المنظر البديع أظن الشمس قد تنازلت عن كبريائها قليلا وقررت أن تحتضن النيل لتصالحه وتمنحه بعض الدفء وتعوضه عن ما يفعله به القمر كل ليله
فذلك المذكور يجمع الأحبه تحت ضوئه الخافت، يتهامسون، يتبادلون الأحاديث والضحكات، تتشابك أيديهم، ويقطعون على أنفسهم وعودًا ويمتصون حرارة الشمس التى جمعتها قطرات النيل طوال اليوم ليبات النيل ولو لليلة واحدة وهو يشعر بالأمان والراحة.

لكن يأتي القمر فى المساء وتأتي معه أفواج من القلوب باحثه عن الدفء تحت ضوئه، فيستعين بذلك النيل الهادئ فيخدعه ويبقيه وحيدًا باردا ثم يهرول إلى العاشقين يهديهم السكينة والهدوء!!

أقف أنا خلف نافذتي أنظر إلى ذلك المسكين فحالهُ يشبهنى كثيرا، أعلم ما يشعر به حقا ذلك الشعور الذى يصيبك بالقشعريرة، تدمع عيناك ويعتصر قلبك، وبحركة لا إرادية تحتضن نفسك أو تمسح على ذراعك بحركة سريعة لتشعر بالدفء قليلا ثم تبتسم وتغمض عيناك وتتذكر شخص واحد فقط كنت تريده أن يكون معك فى هذه اللحظة!!
لكنها .. لكنها الوحدة المجبر على التعايش معها .. مهلا!!

(خبر عاجل) أسمع فى نشرة الأخبار الآن
” ارتفاع منسوب مياه النيل ”
لا يعلموا السبب الحقيقي وراء ذلك الارتفاع ..لا تحزن فأنا أعلم حالك جيدا يا صديقى كان يجدر بهم أن يقولوا (اشتد بكاء النيل فانهمرت دموعه كالفيضان مما أدى إلى ارتفاع منسوب مياه النيل)
يا إلهي إنها الثامنة مساء لقد اقترب الموعد؟
ولكن دعوني أكمل لكم ما أراه من نافذتي المتواضعة واحد اثنان ثلاثة !!
ثلاثة أفراح فى قاعات على النيل أمامي مباشرة يا له من يوم مميز أدعو الله أن يتمم فرحتهم على خير ..
ما هذا؟!
صوت سيارة الإسعاف أسمعه يقترب ، حالة من الترقب والهدوء النسبي فى الشارع، عربات الأمن تدخل الشارع تُوقف حركة السير .. ولكن عجبًا!!
أين الباعة الجائلين وبائعة الزهور؟؟
لم أرهم هذا المساء!!
وما أصاب ذلك الرصيف ؟
نظيف لدرجة لا يصدقها عقل !!
يا إلهي آسفة لقد نسيت !!! إنه يوم الأحد وأنها الثامنة مساءً لقد تحرك الوزير!
ولكن ليس وزير لوحة الشطرنج هذة المرة انصت لي جيدا، اقترب سأهمس فى أذنك حتى لا يسمعنا أحد .. إنه وزير الصحة لديه زيارة هامه اليوم فى الطابق الثاني لنفس المبنى الذى أقيم به جاء لزيارة أحد أقاربه فأنه مريض!
آسفة !!
وددت لو أني عرفتكم بنفسي .. ولكن
دعوني أولا أعرفكم برفقتي .. أمل بائعة الزهور الجميلة، حمص بائع السوداني، وأحمد بائع الفريسكا، والعم أشرف ذلك الطيب الذي يمسح الأحذية ويمسح على وجوه زبائنه ببعض الكلمات المضحكة، افتقدكم جميعا اليوم، ولكن سنلتقي غدا إن شاء الله ..
إنها التاسعة مساء ستقوم نادية بطرق الباب حالا دائما مواعيدها منضبطة لا تنسى أبدا كما قلت لكم لا تنسى تفضلي بالدخول نادية !!
” حياة ” ..لقد حان الموعد!
أمهليني خمس دقائق فقط “نادية ”
أعرفكم بنفسي. ..
أنا حياة عمري خمسة وعشرون عاما نحيلة الجسد أملك القليل من الشعر ولكن لست حزينة قريبا سينبت من جديد .. أعيش حاليا في غرفة بالطابق السادس كما تعلمون ولكن لا تعلموا رقم الغرفة، رقمها( 5) اجعلوه سرا بينكم لا تجلبوا لي الزهور والشوكولاتة وأنتم قادمون .. أتواجد بها كثيرا أجلس بمفردي طوال الوقت وكل عالمي هيَ نافذتي الصغيرة .. حسنا نكمل غدا حيث أرى نادية تنظر لي وكأنها ستأكلني !! كدت أنسى !!
إنه الطابق السَادس بمستشفى القصر العيني مبنى أمراض الدم أمام النيل مباشرةً، ياله من منظرٍ رائعٍ حقًا ولكن من الخارج فقط، ليس من الداخل لو كنتم تعلمون !!
في يومٍ ما أعلم إنه قريب سأشفى وأجرب أن أكون خارج إطار تلك النافذة، وربما جلست بجانب العم رزق أتقاسم معه كل هذا الخبز، ولكن لن أدعه يغيب مرة أخرى عن ناظري ،سأحرص على ذلك أعدكم ……
حسنًا نادية فلنبدأ الجرعة الآن أصبحت مستعدة !!

وداعًا وألقاكم غدًا على خير .

#خلف_النافذة
#بنت_صالح

مش بحب اقول عليها قصة يمكن تكون حكاية أو حالة ويمكن تكون حقيقة أشخاص كتير عايشين حوالينا لكن مش واخدين بالنا منهم
أتمنى تكون عجبتكم ….وبدعي ربنا انه يشفي كل مريض سرطان ❤

 

عن fatima saleh

شاهد أيضاً

وماذا بعد ..؟

  حين تتزاحم الأحرف وكأنها غصص تتراكم بعضها فوق بعض، تشيد سدًا منيعًا يحجب عنك …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *