الرئيسية / اخر المقالات / “النازية وأقنعتها”

“النازية وأقنعتها”

 

– « ما أنت سوى لاجيء»
جملة اخترقت مسمعي لتطلق آلاف الأفكار لعقلي مع عديد من التساؤلات، ترى هل يتغلب الدين على العرقية؟!
هل الإنسانية تتغلب على العنصرية؟
حالة شلل استوطنتني لترديني في غياهب الشتات، هل كتب علينا أن نحيا دوما مكبلين بعقليات رجعية، أم كثير علينا أن نتنفس بعضا من الكرامة الإنسانية؟
أيقنت مؤخرا أن كلمة النازية التي كنت أسمعها لا ترتبط بالألمان وحدهم فما هي إلا فكرة تطوف أرجاء البلدان متلبسة عدة أقنعة مختلفة.

– ما أنا سوى طالب سوري أحيا في تركيا، تلك الدولة التي أمتن لها كثيرا حيث أنها تلقفتنا من قلب الوغى ومن مرارة الشتات.

كان ذلك قبل هذا اليوم المشئوم، يوم الانقلاب على الرئيس رجب طيب أردوغان، يومها تجلت لي حقائق كنت أجهلها وللصدق صعقت بها.
أسقط أهل تركيا القناع عن وجههم الحقيقي بعيدا عن حماية السلطة لنا، أخذوا يدقون الأبواب ويصرخون بنا أن اخرجوا من بلادنا وأن غادروا أرضنا.
انتهت تلك الثورة بيوم وليلة ولكن أثرها النفسي لم ينتهي!

– عدت لتاريخ تركيا أقرأه وأدرس طبيعة ذلك الشعب، فصدمتي في انعدام إنسانيتهم كانت مفزعة.
فوجدت أنهم خليط من الأرمن والأتراك، كلاهم يدعي عنصرية الآخر، فالأرمن يحكون ويتحاكون ويكتسبون الدعم بذكرى مذابحهم التي قام بها الأتراك ضدهم.
والأتراك يدافعون ويردون أن الأرمن هم من دفعتهم نزعتهم العنصرية لطلب المساعدة من روسيا ضد مسلمي الترك، كما أنهم قد ضربوا الجيش العثماني في ظهره إبان الحرب العالمية الأولى.
وبين مدافع ومعارض، ومظلوم وظالم، حضرني القول القديم «يأكل مع الذئب ويبكي مع الراعي».
– بت أنا في حيرة من أمري، كيف يتناحر أبناء الشعب الواحد والبلدة الواحدة وينهشون لحم بعضهم البعض بتلك الطريقة المرعبة؟
إن كان ذلك حالهم وهم أبناء وطن واحد فطبيعي جدا ما فعلوه معنا، هل للعنصرية والنزعات العرقية أن تصل بالمرء إلى تلك الدرجة من الوحشية؟!
هل يدركون أنهم بعنصريتهم تلك ما هم إلا جنود للإرهاب الفكري بشكل أوبآخر.

– الإرهاب الفكري هو عبارة عن أيدلوجية تؤمن بعدم احترام عقلية الآخر وتسلبه حقه حرية في التعبير، وبالتبعيه هو تعنت لعقلية ما واتباعها وتحقيق كل ما هو يخدمها، سواء اشتمل ذلك على القتل والتشريد أم بقي محصورا تحت التلاسن والتراشق بالكلمات، فلا يشترط أن أقوم بعملية قتل لأصبح حاملا للواء ذلك المنهج –الإرهاب الفكري- فتكفيري لغيري ونظري لبعض الفئات أنها لا تستحق أن تحيا معي بنفس المستوى بل يجب أن يكونوا درجة ثانية أو ثالثة لهو أبشع ألوان الإرهاب.
فما كان هربنا من إرهاب داعش إلا سقوطا في إرهاب جديد في رداء مختلف لكنه بنفس القالب ونفس المعايير.

– في بداية نزوح السوريين إلى الدول هربا من مصير الموت المحتم الذي ينتظرهم كان هناك تعاطف ما من أبناء تلك البلدان، لكن ما لبث الأمر بضعة أشهر حتى أصبح وضعهم سيئا جدا، فهذه لبنان لم يعد من حق السوري أن يدخلها حاملا هويته فقط، بل يجب له توافر كفالة وتصريحات وكثير أمور لم تكن من قبل.
جل الأمر أن عقليات الشعوب وبعض حكومات الدول ترسخ تحت وطأة الدوغماتية اللعينة،
فتأتي تصرفاتهم عنصرية متطرفة، قاتلة لجانبهم الإنساني.

– الدوغماتية يا عزيزي هي الرأي أو المعتقد الأوحد، فما هي إلا تزمت وتعسف تجاه الرأي الآخر أو الفكر المختلف، لا يهمني هنا المعنى الأيدلوجي أو الديني بقدر ما تشغلني تلك العقلية الخطيرة التي تنتشر في مجتمعاتنا، فهي صورة من التعسف والاستبداد.
وما الإرهاب الفكري المذكور سابقا إلا فكرة أنجبها رحم الدوغماتية، ففرض السيطرة على الآخر وامتهان حقوقه لهو أساس الدوغماتية.
فالدوغماتي ما هو إلا محاب لجماعته أو طائفته وناظر إليها بمنظور غاية في المحاباة، فهو يراهم – نفسه وجماعته – أصحاب لطف وسلوك مهذب محبوب للغاية.

– وحقيقة الأمر نفسيا هنا أن الناس في تصنيف مجتمعاتهم إلى فئتين (هم) و (نحن) وما كان نتاج ذاك التقسيم إلا فجوات ونزاعات انتهت بحروب عظيمة ولنا في أهل العراق وأهل سوريا خير دليل، فما كانت الحرب بين السنة والشيعة في العراق إلا بسبب ذاك التقسيم الخاضع للدوغماتية، وكذا داعش وقتلها للجيش السوري الحر وكل ما خالف معتقدها.
كما وأن التحيز والتحزب يعد من صميم أفكارها خاصة إذا صاحبه انغلاق فكري تام على مباديء معينة ورفض كل ما خالفها.
– ومن أول من اتخذوا ذاك المسلك الفكري المنغلق الألمان فعرفوا بنازيتهم، لا يهمني سبب نشأة ذاك الحزب لكن يهمني هنا نظرتنا المستهجنة إليه.
ما نلبس أن نطلق على كل من تعصب لرأي أو رفض فكر آخر لقب النازي، وكان ذاك إجحافا للنزاية فجلنا نحمل ذاك الموروث العطن من تحيز وتعصب وتعسف تجاه الآخرين، فليس الألمان وحدهم من يتبنون ذاك الفكر، كلنا نتبناه ونتخذه ديدن حياة وإن اختلفت المسميات وتغيرت الأقنعة، ونادرا ما تجد من يردعه دين، ويلتزم باتباع سلامة النفس والصدر، وأن الناس كلهم سواسية كأسنان المشط وأنه لا فضل لأبيض على أسود ولا لشعب على آخر.
بقلم/ خديجة مسك

مراجعة وتصحيح/ إسراء جمال

عن fatima saleh

شاهد أيضاً

عليك حماية حلمك حتى بلوغه ..

  عليك حماية حلمك حتى بلوغه .. نحن معشر الشباب نعاني الكثير في هذه الفترة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *