الرئيسية / اخر المقالات / «الفَرق بين الشَّكِ واليَقِينِ والظَّنْ»

«الفَرق بين الشَّكِ واليَقِينِ والظَّنْ»

 

السلامُ على من خطَّ بِالقلم، ورسمَ مَدارك مِن نور لِظُلمات بَعضُها فَوق بَعض غير مُبالية، لا تَخشىَ إلا الحق. موضحة، متنورة، مُتَفَقِةَ في عِلم الكَلِم والمعنى، لوحٌ سُطِرَ عليه مَلامِح فِكرٌ وهوية بلسانٍ عربيٍّ مُبين.

قِيل أنَّ للعربية سِحرٌ خاص لا يُمسِك بِتَلابِيبها سوى أبناؤها والناطقون العارفون لها، السابحون في بُحور حروفها، مُتمَسكين بِكُل مافيها مِن بلاغةٌ وجَمال، مسطرين ذلك في أنقى أشكال الصور والتعابير من شِعر وخَطابة وقِصة ورِواية ومَقال إلى آخره من فنون عربية.
لكن مايَشغلُنِي،
كيف أدرك أحِدهم ذاكَ الجَمال؟

هاهي حروفي تخبرك لحظة وقوفي عند معنى الشك والظن واليقين يوم قَرأتُ قول اللَّه
تعالى عن الكفار: {إن نظن إلا ظنا وما نحن بمستيقنين} [الجاثية:32].
ثم هناك في آي ثانية يقول المولى عز وجل: (بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ يَلْعَبُونَ ). [١١]
لما قال الكافرون أن تكذيبهم ما كان إلا ظنا، ثمَّ خُتمت بقول اللَّه لهم بأنهم اليوم مستيقنين ،هل هناك رابط بين الأمرين؟!

بَعد بحث طَويل في مَعَاجِم شَرح آيات القرآن ثم الوقُوف على مَعَانِي الكَلِمَات في المَعاجِم اللغَوية،وبعد التَمحِيص وجدتُ رأي الفيروزآبادي في قاموسه قائلاً:
“أنّ الظن هو التردد الذي يُرجّح أمرين يُعتقَد بصحتهما دون الجزم بأحدهما”
ويقول الراغب :
“أنّ الظن هو تعبير عن حصول أِمارة معينة، فإذا قُويت أدّت إلى العِلم بالشيء، وإذا ضَعُفَت بشكل كبير فهي ليست إلا وَهما” ويُعرفه الجرجاني:
“إن الظن هو طرف من طرفي الشك”
يرى سقراط في علم الفلسفة القديم أنّ الظن هو نوع من أنواع المعرفة الأربعة، وهي:
الإحساس، والظن، والاستدلال، والتعقُّل. ولا يصحّ تعليم الظن لأنّ العِلم تبيان للأمور بعِلَلِها، كما أنّ الظن ليس شيئاً ثابتاً وهو إما أن يكون صادقاً وإما أن يكون كاذباً، والعِلم صَادق، ولذلك الظن لا يُعلَّم للآخرين، والظن الصادق يعتبر الهاما، أما الظن الذي يحتمل الصدق أو الكذب فهو تخمين، وهو ما يوجِد القلق في نفس المرء والذي يدفعها بدوره إلى طلب العلم؛
إذا هناك معايير واضحه مبينه أن الظن الذي ورد في قول الله تعالى:
“إنَّ بَعِضَ الظَّنْ إِثّمْ” ذلك لأن الظن هو الأمر المعلوم لكن يَعْتَريه بعض الحيرة التي تحتاج مِن المرء إطلاق العقل حتى يصل إلى حَقِيقة أنه لو كان خيرا فسيصبح يقينا بعد ذاك الظن ،وإن كان شرا كان أمرا لا يُستجاب له وإنما هو شَكْ.

و يَذكُر الفيروزآبادي: “إنّ الظن يُستعمَل في اللغة بمعنى اليقين في غالب الأمر”
حيثُ ورد الظن في القرآن الكريم بمعنى اليقين، كما ورد بمعنى الشك، ويمكن التفريق بينهما في القرآن الكريم كما ورد عن الزركشي بطريقتين هما:
“إن كان الظن محموداً ويثاب عليه الشخص فهو يقين، وإن كان مذموماً ويوقع العذاب عليه فهو شكّ”
إن كان الظن متصلاً بإنّ المشددة فهو يعتبر يقيناً، كما في قوله تعلى: (إِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ)
أمّا إن كان الظن متّصلاً بِأن المخفّفة فهو شك، كما في قوله تعالى:
(بَلْ ظَنَنتُمْ أَن لَّن يَنقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَىٰ أَهْلِيهِمْ أَبَدًا وَزُيِّنَ ذَٰلِكَ فِي قُلُوبِكُمْ وَظَنَنتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ وَكُنتُمْ قَوْمًا بُورًا).

 

يعتبر الشك حسب رأي ديكارت شيئا مؤقتا فهو في مبدئه
“أنا أفكر إذا ً أنا موجود”
وأنه بداية عملية البحث عن الحقيقة لأن الشك يصل بِنا إلى الظن والظن يخلق اليقين.

وقد ورد الشك في القرآن الكريم في عدة مواضع أيضًا تارة صريحا كما في قول الله تعالى:
“بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ يَلْعَبُونَ * فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُّبِينٍ”.
و أخرى غير مذكور عند سؤال المولى عز وجل لسيدنا إبراهيم “أولم لم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي”

ذُكِر أن فيودور دوستوفيسكي سطر في مُذكراته
“إنني لم أؤمن بالله ولم أعترف به كما يفعل طفل، وإنما أنا وصلت إلى هذا الإيمان صاعدا من الشك والإلحاد بمشقة كبيرة وعذاب أليم”
ويفسر أبو حامد الغزالي الشك على أنه:
أول مراتب اليقين.

يبدو أن الأمر أصبح أكثر وضوحاً الآن، شَكٌّ ثم ظَن ثم يقين.

واليقين هُنا يُعَد مَبْلغ الغايات،
ومنبر العَارفِين الواثِقِين بِكل مُراد لهم في تِلك المَعموره واستيقنتها أنفسهم ليسموا بكل يقين إلى منازل لا ريب فيها كما قال سيدنا علي بن أبي طالب
“نوم على يقين خير من صلاة على شك”

 

بقلم/ماجدة سمير الأمير   

مراجعة وتصحيح/ إسراء جمال

عن fatima saleh

شاهد أيضاً

عليك حماية حلمك حتى بلوغه ..

  عليك حماية حلمك حتى بلوغه .. نحن معشر الشباب نعاني الكثير في هذه الفترة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *