الرئيسية / اخر المقالات / “المساواة والعدل ومنهج الاستثناء”

“المساواة والعدل ومنهج الاستثناء”

 

منذ فترة علقت بذهني صورة وجدتها بإحدى الصفحات الإلكترونية، ثلاثة من الأولاد متفاوتون في الطول، يقفون خلف سور، وقد وضع تحت اثنين منهم حجران، بحيث يرى كلٌ منهم ما خلف السور، أما الولد الثالث فكان طوله يسمح بالمشاهدة، وكُتب تحت الصورة “ذاك عدلٌ”.
وعلى النقيض، نفس الثلاثة أولاد يقفون خلف نفس السور، ولكن وُضع تحت أقدام الثلاثة قطع من الحجارة متساوية في الطول، وكُتب تحت الصورة “تلك مساواة”.

لطالما كنت أسمع عن حقوق المرأة، ومطالبة بعض المعنيات بهذا الأمر، مساواتها بالرجل!
كُنت أستشعر حينها بريبة خلف ذاك المَطلب، فهناك مَن يتجه رأيه في تعريف المساواة أنها إزالة كافة الفروقات بين جميع الناس ليصبحوا سواسية.
كم هي غاية عظيمة أن نصل إليها، ولكن الأمر جد معقد!
فهناك مَن يبث سُمًا خلف ذاك التعريف، أن تُزيل جميع الفروقات بين الناس أجمعين، النساء تتساوى بالرجال، ذاك هو الأمر الذي يروم إليه زارع السُم، ولكنه خبيث بشكلٍ كافٍ، فلقد بثّ سُمه في العسل!

العدل؛ذاك المنهج الرباني،
صفة من صفات الله العَلية،
وصَف الرحمن نفسه بالعدل وأمر به، “ولا يَجرمنكم شَنآن قومٍ على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى” والعدل هو الصفة التي تُعبِر عن الإنصاف،
ففي منهجه –جلّ في عُلاه–نجد ذاك الإنصاف، حيثُ الميراث وتقسيمه بين الرجل والمرأة، “للذكرِ مثل حظ الأنثيين” ويتهافت هنا المشككون في عدل الرحمن،
أين هو إنصاف ربكم وللذكرِ ضعف ما للأنثى؟

في إحدى المرات وأنا في العمل جاء المُدير، وأخذ في توزيع بعض النقديات على جميع العاملين كحافز –كما أشار–للعاملين.
أصابتني حينها بعض الغيرة من أحد زملائي لأني عَلمتُ أن نصيبه كان يعتلي نصيبي، أذهب للمدير فأسأله عن منواله في التوزيع، فأخبرني أنه قام بالتوزيع بالعدل! أخبرته وأين المساواة؟
فقال بالعدل الذي يشتمل على التسوية والتفريق!
_ هنا تكمُن الإشكالية بين المساواة والعدل!

وضعَ سُبحانه وتعالى في منهاجه العظيم قواعد الميراث بالعدل، فاشتمل على التسوية والتفريق، فكانت التسوية ألا تأخذ الابنة الكبرى أكثر من الصغرى، أو يأخذ الابن الأكبر زيادة عن الأصغر، ووضع التفريق بين ما يأخذ الابن والبنت، وكانت تلك التفرقة عن حكمة، حيث من الجلي للعيان، أن الرجل أكثر إنفاقًا ومسئولية من المرأة.

وتجلَت حكمته سبحانه في خلق البشر، حيث كان العدل هو منهاجه، فجاءت الأنثى والذكر كمثليهما لصاحب نظرة ثاقبة، فأخذ سُبحانه في خلقهما بعض الأمور مثل؛
وضع في الأنثى كما من الحنان والعاطفة التي تطغى على الرجل،
وكان هذا حافزًا للمرأة ومقومًا لها في التربية،
وأعطاها قوة إرادية حيث تستعملها أثناء المخاض،
وعلى الجانب الآخر أعطى –مَن جلّ في علاه–الرجل قوة جُسمانية وعقلا يغلب على العاطفة، لكي يقدر على ممارسة مهامه قَدر المُستطاع، فذاك هو عدل السماء.

تراءت الآن أمام عيني صورتي الأطفال، المجموعة التي تقف على أحجار متساوية في الطول، والمجموعة التي تقف على أحجار مختلفة في الطول، ما كُتبَ تحت إحداهما عدل والأخرى مُساواة، ما زال الشك يختلي بي كُلما سنحت الفرصة، فأنا أري الأطفال الثلاثة في كلتا الصورتين قد حصلوا على فرصة للرؤية بخلاف ماهية الأدوات المُساعدة لهم!

“العدل يعبر عن الإنصاف”
“المساواة هي العنصر الأساسي في الإنصاف”
لطالما سببت لي تلكما العبارتين الكثير من التيه، فبما أن العدل يُمثله الإنصاف، والمساواة هي أساس الإنصاف، إذن فالمساواة هي الأصل والعدل جاء منها، وسُرعان ما تفتق عقلي، وثقبت بصيرتي عين الحقيقة، تأكدت أنّ المساواة هي جزء من العدل، وإلا فجنسي البشر مُتشابهان في كل شيء وليس كما وضحنا آنفًا، ومن هنا يتجلى أمامي مبدأ الاستثناء!

دائمًا تتعدد آراء البشر، فمنها الخطأ ومنها الصواب، ويتأتى أمامي تعريف أحد الآراء للمساواة فقال: _هي المُماثَلة بين الأشياء بشكل كامل، باستثناء الأمور التي أمر الشرع بعدم التسوية فيها، الآن فقط مرحبًا بمساواة البشر، لأنه مهما كان فمِن الصعب أن يكون عدل الأرض كعدل السماء، لذلك مرحبًا بمنهج الاستثناء في المساواة، وإن كان الحقوقيون هذا مبدؤهم فمرحبًا، وإلا فلا!
بقلم/ علم الدين

مراجعة وتصحيح/ إسراء جمال

عن fatima saleh

شاهد أيضاً

عليك حماية حلمك حتى بلوغه ..

  عليك حماية حلمك حتى بلوغه .. نحن معشر الشباب نعاني الكثير في هذه الفترة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *