الرئيسية / اخر المقالات / أعرني عيني رجل

أعرني عيني رجل

 

يقولون أنَّ حواء هي من أغرته لتناول التفاحة.
أتُراها حواء، أم أنَّ آدم بعد الجنة سعى للخلود؟
أتُراهُ سعيه هو فقط، أم أنَّ جنسه البشري كلَّهُ يسعى ل”ما بعد” دائمًا؟
مابعدَ الطفولة،
مابعدَ الجامعة،
مابعدَ الغنى،
حتّى الفرح يبحث عما بعده، بل وصل ببعضهِ الأمر أنْ زهدَ رغد حياته، فبدأ سعيهُ ليعرف ما بعده!
أين تكمنُ المعضلة يا تُرى؟
وهل إغراءُ حواء هو جواب البداية؟

تتخلّى حواء -هي صديقة لي- عن سلاح الإغراء لديها لتخبرني في ذات لقاءٍ، أنّها عازفة عن الزواج لأنها وجدت أنَّ جنَّتها هي حياة لا آدم فيها، وتغزل لي على نول التحرر فكرتها، فطموحها جامحٌ ترفضُ أن يلجمهُ عَقدُ ارتباط، وعيونها ترحلُ صوبَ إثباتِ النفس دون حاجةٍ لقوامةِ رجلٍ ما هو إلا شجرةُ الخلدِ التي ستنزل اللعنة على استقلاليتها، رافضةً أن تكون “أمينة” في حضرة “سي السيد”!

المعضلة تتعاظم!
فعلى ذاتِ طريقها يسيرُ عددٌ غيرُ يسيرٍ من النساء، ليجعلنا هذا نتساءل:
-متى تحولت المنظومةُ الأسرية لنموذجٍ واحدٍ هو الزوجةُ الخنوعةُ، والزوجُ المتسلط؟ ومتى وصل الحال بنسائنا لقناعةٍ مفادها أنَّ الرجال هم حراس سجنِ أحلامهن، يستبقونهن للخدمة فقط؟
ومتى وقعت حواءُ في دوامةِ ال”ما بعد” لتبدأ سعيها لنيلِ ما بعدَ (الاستقلال، الدراسة، العمل، المناصب) راكنةً مهمتها الأساسية في إنشاءِ الأسرة داخل آخر درجٍ من اهتماماتها؟

مهمةٌ كانت منذُ سنينٍ ليست بالبعيدة تحتلُّ الصدارةَ عندها، دون أن تجرؤ مهمةٌ أخرى على إماطتها عن موضعها، تَراها حواء قاعدةَ حياتها، وأساسها وفوقها يتعالى البناء، حين كانت ترى أن راحتها وسكنها وسكينتها هي أسرةٌ تأوي لظلها، ويأوي أفرادها لحضنها هي،
وفي ابن تربى على نهج والدهِ،
وابنة تعرف كيف ترفع بنيانَ أسرةٍ أخرى،
جاعلةً منها مملكتها الخاصة،
وجنتها التي لا نزولَ منها.

كانَ الحبُ يبدأ عندها بالزَّواج، وها هو اليوم ينتهي به!
وطاعةُ الزوج كانت طاعةً مُستحبَّة تدغدغُ ضعفها الأنثوي، ولكنِّها باتت قيدًا يلتف حول طموحها خانقًا إياه!
كان المنزل مؤسسة حياتها الوحيدة، إلا أن بصرها نبا عنه حين لم يرَ فيه سوى “بيت الطاعة” ممتدًا لمؤسسات أخرى تجد فيها ذاتها المفقودة!

إنَّ هذا التحولَ ما هو إلا نتاجُ حركاتِ دعاة التحرر وشيعهم، والأفكار التي بثَّوها في مجتمعات هي أبعد ما تكون عن القدرة على التفريق بين “التحرُّر” و “السُفور”، لتلقي حواؤها أوشحةَ العفةِ تحتَ أقدامِ الحريةِ المزعومة، وتنزعَ الحجابَ بينها وبين الرجل، وتهدمَ بمطرقةِ الاستقلال جلَّ الفروق بينها وبين آدم، مشاطرةً إياه مسئولياته ُ كاملةً، تعملُ ما يعمل،
وتصلُ لما يصل، وتكادُ إحداهنَ أن تتبادل الأدوار الكاملةً معهُ فتأخذ حقَ القوامة!

القوامةُ التي تخلّى عنها الرجلُ باديء الأمرِ برضى، طامعًا بنساءٍ كالغربيات اللواتي “أغرينهُ” بتحررهن، وها هو اليوم يتباكى عليها -القوامة- في ظلِّ حائط التمرُّد النسوي الذي ما قوى بنيانهُ لولا أن يديهِ ساهمت بوضعِ أحجارِ الأساس فيه، متجاهلًا أن لا الدم يشبه الدم، ولا العاداتُ تندثرُ كالأقوامِ البائدةِ دونَ أن تستنهضَ روحها بين فينةٍ وأخرى!

ترمقني عيونُ صديقتي شزرًا، وتشيح عني باستنكار؛ حين تسمع حديثًا كهذا يتمطّق به لساني، كأنّني ما استعرتُ عيني رجلٍ فقط بل وصوتهُ كذلك!
أليس من الإجحافِ والتخلف أن ننظرَ لدورِ المرأة التي كانت موءودة داخل خدرها، ثم انطلقت بفضاءِ المجتمع مشاركةً في رفعِ كلُّ أركانهِ بهذه النظرة الدونية؟
فها هي اليوم متعلمة، معلمة، رائدة في كل مجالات الحياة، لا يكاد مكانٌ ولا زمان أن يخلوَ من لمستها ووجودها وقدرتها على مجاراة الرجل.
دخلت الجامعاتِ، وامتهنت جلَّ المهن، وتقلدت المناصب، ورافقته في الكفاح، وعاينت بنفسها كلَّ ما عاينه، حتى ألبِستَهُ!

فالمرأة التي كانت تفخرُ بأنوثتها وتتزين بخجلها، وتقدّرُ ضعفَها الأنثوي الفطري حين يدفعها لأن تأوي إلى رجلٍ يكون ركنَها الشّديد؛ أثبتت أنها يمكن أن تكون رُكنًا شديداً يأوي إليهِ “الرجل”!
لا فرقَ بينَ آدم وحواء إلا بالموروثات!
الموروثات التي لم تمنعها من أن تفعلَ ما تشاء، وتأخذ مكانتها في المجتمع سابقًا دون أن تعرض عفتها، وأنوثتها لأشعة شمسِ التحرّر والمساواة المزعومة فتبهت ألوانُها، لنصلَ لمجتمعٍ يحتاجُ لإعادةِ تهذيب وتقويم يعيدُ إليه شيئًا من توازنه المفقود، فمن الأحقُّ بالتهذيب أولًا؟ آدمُ أم حواءُ؟
ربّما لو استقينا من نبعِ أدب “المنفلوطي” لوجدنا الإجابة، فهو القائل “هذِّبوا رجالكم قبل أن تُهذِّبوا نساءكم، فإن عجزتم عن الرجالِ فأنتم عن النساءِ أعجز”.

إذًا فالمعضلة تتضح!
آدم وحواء سعيا معًا لل”ما بعد” وحين وصلا لجنتهما المزعومة طفقا يخصفان عليهما من ورقِ أشجارِ التمنّي بأن ال”ما بعد” لم ينتهِ، ليواريا سوءة الإحساسِ بالفشل، فلا هي وجدت الرضا باستقلالها ولا هو اعتلى قصورَ الراحة. كلاهما ساخطان على ما آل إليه الحال، كما صديقتي الساخطةُ عليَّ لاستعارتي -بظنها- “عيون رجل” الآن؛ لكنها ستنساني بعد أعوامٍ قلائل في خضمِ سخطها على العنوسة!

#أعرني_عيني_رجل

#أبد_الحاج

#A_F_H

مراجعة وتصحيح/ إسراء جمال

عن fatima saleh

شاهد أيضاً

عليك حماية حلمك حتى بلوغه ..

  عليك حماية حلمك حتى بلوغه .. نحن معشر الشباب نعاني الكثير في هذه الفترة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *