الرئيسية / اخر المقالات / يانشو “سأفرض العدالة تحت ظل سيفي”

يانشو “سأفرض العدالة تحت ظل سيفي”

 

يانشو
“سأفرض العدالة تحت ظل سيفي”

ظُلِموا، فتآمروا، فثاروا،  فتمكنوا، فأقروا ما ثاروا عليه من الظلم، بل تمادوا فيه فاعتبروه سنة الله في خلقه التي لا تبديل لها!

الأصل في بني آدم أنهم إخوان متساوون؛ بيد أن ميزت الصدفة بعضهم بكثرة النسل،  وميزت الطبيعة، وقسوة مناخها، و تطرف حرها و بردها بعضهم بالقوة.

و شكلت التربة شخصياتهم، وخلالهم،  فأكسبت من يولد في بيئة جبلية القسوة والصلابة و الشراسة،  وأكسبت من يولد في بيئة رملية-كجزيرة العرب- شمائل الأنفة و الشجاعة، وسعة الحيلة، ومنحت الحكمة من نشأ في بلاد الجمال-كالهند-يتأمل في بديع خلق الله و يتفكر في كونه، وسعة ملكه، حتى أنهم كانوا يلقبون ملوكها بملوك الحكمة، و أكسبت من ولد بأرض طينية صفات الاستقرار،وإيثار السلامة،ونبذ العنف و الحرب.

كان هذا لما تفرق أبناء نوح وبنيهم في الأرض، فاكتسب كل منهم شخصية التربة التي نزل بها،وتقدم بهم الزمن و كونوا أمما،
و تمكنت الصفات من الأمم،
فرأينا أمم الجبال أهل حرب يسرهم منظر الدم، ويأنفون من السلم،  ورأينا من استقر في الطين أمم زراعة أقاموا حضارات مستقرة كالفراعنة،والسريان.

وشاع بين الناس التحاسد و التباغض، والظلم والعدوان؛
فرأوا  أن الشديد لا يصلحه إلا الرهبة، و أن الرهبة لا تتاتى إلا من صاحب جسد عظيم،
واسع الصدر،
مفتول العضلات، يثير منظره للرائي رهبة وخوفا؛  فيرتدع عن ظلمه و عدوانه.
و علموا أن الناس لا يستقيمون إلا بملك ينصفهم،ويطبق العدل عليهم، وينفذ الأحكام على ما يوجبه العقل بينهم؛
فساروا إلى كيومرث بن لاوذ
وأعلموه بحاجتهم لملك وقيم،وقالوا:
أنت أشرفنا وأفضلنا وأكبرنا، وليس في العصر من يوازيك،
فكن القائم فينا، ولك علينا السمع والطاعة، ونفعل ما تراه.
فأجابهم إلى ما دعوه،  واستوثق منهم العهود والمواثيق علي السمع و الطاعة،
وترك الخلاف عليه،
وقيل في كيومرث هذا أنه:
“أول ملك في الدنيا، وأنه أول من وضع التاج على رأسه”

تاريخ الظلم الاجتماعي

وكان كيومرث بن لاوذ  فارسيا،
ثم تقدم الزمن بالملوك، وهم يسيرون في الناس بالعدل، والناس ترضى حكمهم،
حتي بلغنا ملوك فارس في الأسرة الساسانية، ملوك من أمثال أردشير بن بابك، وأنوشرون.
والملك أردشير هو أول من قسم الناس في المجتمع  إلى طبقات،
وقال بأنه:
لا يستقيم أن يكون الملك كالرعية،  والرعية كالعبيد.
ورتب الناس مراتب فجعلهم سبعة أفواج:
أولها الوزراء، ثم الموابذان _ القائم بأمور الدين، وهو قاضي القضاة ورئيس الكهان _ثم القضاة، ثم ولاته على الأقاليم الأربعة  بخراسان والمغرب والجنوب والشمال، ثم أصحاب المشورة، وأخيرا طبقة المغنين ..إلخ

ثم أصدر ملوك الفرس أمرهم بأن كل طبقة حكر علي أهلها،
فلا يحق لابن صانع الالتحاق بطبقة الكتبة، ولا لابن كاتب الالتحاق بطبقة القادة.

لعنة لعن بها أردشير بن بابك التاريخ كله، فاقتدى به الملوك في ممالكهم، فميزوا بها الناس بعضهم على بعض تبعل لجنس الأب ووظيفته فقط؛
فحرموا أبناء طبقة القادة من عقول نبغاء الصناع،
تصير وزيرا فقط لأنك ابن وزير، و تصير حقيرا فقط لأنك و أباك و جدك من طبقة الحقراء!

فأي ظلم اجتماعي أعظم من هذا؟ و أي جريمة قتل للمواهب و القدرات أفدح من تلك؟!

و لا أعلم،
كيف لم يثر الشعب الفارسي على أردشير عندما طبق هذا القانون؟
لعلهم خافوا من بطشه،وقوة جنده، وحشوده،وعسكره،
أو لعل المنتفعين بها من الطبقات العليا صوروا للرعية أن تلك مشيئة السماء.
يقولون (لو شاء الله لك أن تكون عظيما لأخرجك من رحم شريفة أو من بضع وزير أو قاضي)
لا يثير هذا دهشتي، فلعل الناس صدقوا أن تلك مشيئة الله،
و لكن ما يثير دهشتي حقا هو كيف رضي الناس بهذا ونحن في القرن الواحد و العشرين؟
جميعنا يعلم أن هناك العديد من المؤسسات أوصدت أبوابها،
و حرمت و جرمت حق الالتحاق بها إلا لأبناء هيكلها، أو العاملين فيها.

كيف لا يثورون ضد هذا القانون،  حتي ولو كان شفهيا غير مكتوب أو ضمنيا غير ظاهر؟
وليس أحمق، ولا أجهل،
ولا أكذب ممن يدعي أن تلك مشيئة الله؛
فهو بفتري على الله، و يكذب على شعبه،ويخون صوت الإله فيه (الضمير).

قال تعالي (و لولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض  ) أورد الله تعالى هذه الآية عقب ذكره قصة طالوت ومقتل جالوت علي يد داوود؛
ليؤكد من خلالها أن  الله يدفع الشر المفتعل بأيدي  الناس،
فلم يرسل الله مَلكاْ ليرد شر جالوت،  بل أرسل له أنُاسا من بني جنسه فتمكنوا منه وغلبوه.

لأرد بهذا علي من ادعى أن قدر الله أن يكون الناس طبقات،
وأن تتوقف عمليات الحراك الاجتماعي، ولو شاء الله لبدل هذا القانون.
فأقول لهم:أنه ليس قانون الله، ولكنه قانون الشيطان زين لكم الأثرة في الدنيا، والاستئثار بها.
فأقول لكم: الله مبدل هذا الظلم بأيدي المتضررين من وقوعه عليهم، و ليس بمَلكْ يُنزََل من السماء.

يانشو يعلن العصيان

تعد الصين أشد بلاد الله اتساعا،
وأكثرها غنى بموارد الطبيعةوالسكان،
وقد كانت الأمة الأكثر قابلية للعزلة، فيوجد في أرضها كل أنواع النبات وصنوف الحيوان،
و حتي نهاية القرن الثامن عشر كان عاهل الصين يقول:
إن بلاده في غنى عن العالم كله،  وأن العالم كله مفتقر الى بلاده، كما كتب إلى  جورج الثالث ملك إنجلترا في خطابه عن تبادل العلاقات التجارية قائلا:
“إن مملكتنا السماوية تحوي كل شئ بوفرة وغزارة، ولا تحتاج داخل حدودها الى مطلب من خارجها، فنحن في غنى عن جلب المصنوعات من البلاد البربرية بديلا لمصنوعاتنا،
ولكن الشاي، والفخار من مملكتنا السماوية لازم للأمم الأوروبية ولكم”

و كانت الصين أمة مستقلة ليس فقط في تجارتها،وإنما أيضا مستقلة في ثقافتها، وقد كانت تفخر بهذا الاستقلال،
ويحق لها أن تتعالى به على من حولها،
خاصة و أن الشعوب المجاورة لها بربرية،
وكانت قد اكتشفت الإبرة والمغناطيس، والورق والمطبعة،
وصناعة الحرير والأنسجة،
والعملية الورقية،  وملأت خزائن الكتب بصنوف من الحكمة والمعرفة،  وآداب السلوك،
فكان كل من يغشاها من الخارج يؤيد رأيها، ويزداد احتقارا لغيرها.
من جاءها زائرا من أهل الاضطلاع و الاستطلاع لم يجد فيها أرفع من علم بلادها، و عاد و هو يعجب بها كما تعجب هي بنفسها.

كانت مملكة الصين أو ابن السماء كما أطلق عليها قديما من أحذق خلق الله،
وأكثرهم إتقانا لصنعتهم؛
فأهل الصين مهرة، ومما روي عنهم “الرجل منهم يصنع بيده ما يُقدر أن غيره يعجز عنه،
فيقصد باب الملك يلتمس الجزاء على لطيف ما ابتدع،
فيأمر الملك بنصبه علي بابه-أي ينظر الرجل-
من وقت ذلك إلى  سنة،
فإن لم يستخرج أحد فيه عيبا أجاز صانعه، وأدخله في جملة صناعه،
وإن اكتشف فيه أحد
عيبا طرحه وطرده ولم يجزه.
ويوما صور رجل منهم سنبلة سقط عليها عصفور على ثوب حريري،
لا يشك الناظر لها أنها سنبلة سقط عليها عصفور،  فبقي الثوب مدة أمام القصر حتى مر به رجل أحدب فعاب العمل،  فأدخل إلى الملك، وأحضر صاحب العمل، فسأل الأحدب عن العيب، فقال له:
أن المعروف عند الناس جميعا أنه لا يقع عصفور على سنبلة إلا أمالها، وصور هذا العصفور على السنبلة، ونصبها قائمة لا ميل فيها.
و قصدهم من ذلك أن يضطر الصناع لشدة الحذر و الإتقان.

و الصين على ما تقدم ذكره لا يضاهيها في سبل قوتها مملكة أخرى، فهي قوة زراعية و تجارية و صناعية …إلخ .

إلا أنه من المستحيل أن تتجمع كل أوجه الحسن في نظام سياسي،  فلا كمال في النظم السياسية، فالله كتب على نفسه الكمال بتفرد.

الأفكار كما البضائع،
تصدر وتستورد،
و في عصرنا الحديث استوردت كل الشعوب قيم الليبرالية الفكرية،  والتحررية الاقتصادية، والسياسية، بل وحتي الجنسية، و لم يكن استيراد الأفكار و النظم من مستحدثات هذا العصر فقد صََََدرت الدولة الفارسية الساسانية نظامها الاجتماعي الى الصين،
كما صدرته لبلاد الإسلام في عهد الخلافة العباسية،  فكان خلفاء المسلمين أكاسرة!

المهم في الأمر أن نظام الحكر الاجتماعي وجد إعجابا في نفوس أباطرة الصين؛
فقسموا المجتمع طبقات و حذروا على أبناء كل طبقة مغادرة طبقتهم أو الصعود لغيرها.

و لكن يانشو الزعيم صيني _و هو ابن الطبقة الدنيا _ ثار علي هذا النظام الاجتماعي البغيض و حشد الجيوش من العوام، وحارب بهم الملك حتى غلبه واضطره اللجوء لبلاد الترك.
ويؤرخ المسعودي لتلك الواقعة  “أن نابغا نبغ فيهم من غير بيت الملك، كان في بعض مدائن الصين يقال له يانشو،  وكان شريرا يطلب الفتنةويجتمع إليه أهل الدعارة والشر، فلحق الملك و أرباب التدبير غفلة عنه،؛ لخمول ذكره و أنه ممن لا يبالي به،
فاشتد أمره ونما ذكره، وكثر عتيه،  و قويت شوكته،
وقطع أهل الشر المسافات نحوه و كثر جيشه فسار من موضعه و شن الغارات على العمائر”

لا شك أن المسعودي لم يخالف سنة المؤرخين في عهده؛
فهم يرون الملوك دائما علي حق .و أن الخارجين عليهم زنادقة مثيري فتنة، مخربين، دعار، وهو لم يخالف ذلك فكتب عنه بأنه شرير يطلب الفتنة و يجتمع إليه أهل الدعارة.

و خرج يانشو بجيوشه بلدا بلدا ففتحها،
وانضم إليه خلق عظيم من كل البلادحتى وصل مدينة أنموا،
وهي دار الملك،
فخرج إليه الملك في نحو مائة ألف،  والتقى هو ويانشو وكانت الحرب بينهم سجالاً نحو شهر،
وصبر الفريقان، ثم كانت على الملك فولى منهزما،
واصر يانشو علي اللحاق به،  فإننحاز الملك لمدينة في أطراف البلاد، واستولي يانشو على العاصمة، واستولى على خزائن الملك والملوك السابقين،
فاستنجد إمبراطور الصين بملك الترك، وأخبره أن مساعدته له هي من واجبات الملوك تجاه إخوانهم،  فأرسل ملك الترك جيشا بأربعمائة ألف فارس، ورجل بقيادة ولده،
والتقى الجيشان فكانت الحرب بينهما سجالا نحو سنة،
ثم انتصر الترك،
و قيل أن يانشو قتل وقيل بل حرق.

نعم، فشلت ثورة يانشو!
و لكن المؤكد أن الصين قبل الثورة تختلف عنها تماما بعدها.  وأطلق العامة على الملك اسم يعبور أي: ابن السماء،
و انتهجت الصين نهجا جديدا في شئونها السياسية؛
فحررت الطبقات من احتكارها،   وأصبح متاحا للجميع التطلع للوزارة والرياسة.

فصار التقدم و القبول للوظائف بالصين مقتصرا على اختبارات  يقبل بالوظيفة من يجتازها بغض النظر عن طبقته،
فسلاما على روح يانشو،
سلاما على روح كل ثائر مغير ساع للحق .

حتي أنه عندما سُأل سن ساتسن زعيم الثورة الصينية في عام 1911م  وأبو الصين كما يطلق عليه عن أسباب الثورة قال:
مطالبنا الديمقراطية والقومية والاشتراكية (رخاء المعيشة ) فسُئل،
أليست العدالة الاجتماعية والمساواة من مطالبكم؟!
فقال: ايى عدالة اجتماعية!
رئيس الوزراء من أبناء الفلاحين،  أهناك عدالة أكثر من هذا؟!

العلاج بالثقافة:

يتوقف علاج المريض على دقة تشخيص المرض، وكلما وفق الطبيب في تحديد موطن العلة كلما كان العلاج أيسر وأسهل،
ونحن في مجتمعاتنا العربية نعاني من مشكلات توقف عمليات الحراك الاجتماعي،
فكل مسئول يتشبث بمنصبه حتى إذا بلغ سن التقاعد تعاقد مع الوزارة على أن يكون مستشارا لها،  بل حتى أن السعاة وصغار العمال إذا بلغوا سن التقاعد طالبوا أن يعين بدلا منهم أبناؤهم.

وقد سمعت أحد الفنانين يتحدث حول ما أشيع  عن توريث المهن،
وكان له ابن هو الآخر يعمل في مجال الفن،
فقال:
إن الكروموسومات التي تحمل  جانب الصفات الوراثية والجينية تحمل كذلك المواهب!

لا شك أن هذا الكلام لا يمت للعلم بصلة، وقد ذكر العقاد يوما أن  الطبيعة تأبى أن تجود بعظيمين من نفس المجال أحدهما من نسل الآخر.
و ذكر في ذلك جمال الدين الأفغاني،  وكيف كان أبتر حرمته الطبية من الزواج،
و الشيخ محمد عبده كيف أنجب اناثا فقط فانقطع نسله المعرفي بموته _أي ولد يكمل مسيرة أبيه _ إنما أراد هذا الفنان أن يبرر توريث المهن بحيلة طبية كاذبة والمثير للسخرية أن هذا الفنان نفسه ادى عملا تلفزيونيا ينتقد فيه ويسخر مما أقدم هو عليه!

العدل الاجتماعي و الطريق إليه:

و أذا أردنا حقا أن نتخلص من هذا النظام الاجتماعي الفارسي الظالم البغيض،
فعلينا أولا أن نتخلص من الحجج التي يتذرع بها الأفراد لإيقاف الحراك الاجتماعي.

أولا :
يجب أن تترسخ في المجتمع ثقافة أنه لا تزر وازرة وزر أخرى،
فليس مما يرتضيه المنطق ولا شرائع السماء، ولا يتقبله حَكم منصف أن تعاقب العائلة كلها بجرم ارتكبه فرد واحد،
بغض النظر عن حيثيات هذا الجرم أو  دوافعه،
فليس من المقبول أن  يحمل آخرون دونما ذنب إثم ارتكبه غيرهم لمجرد صلة قرابة تربطهم !

ألم يكن آدم أبا قاتل و هو قاين (قابيل)
هل أساء هذا لآدم؟
هل بدل رضي الله عليه سخطا؟ هل أخذ منه العلم الذي أودعه إياه؟
ألم يكن كنعان بن نوح كافرا؟
هل اخذه بذنب بضْعه،
وهو أقرب  قريب له ؟
ألم يكن تارح بن ناحور هو صانع الأوثان التي يدعو إبراهيم الناس لتركها؟
فهل انتقص ذلك من نبوته؟
بل اتخذه الله خليلا!
ألم يكن عم رسول الله -أبا لهب- رمزا من رموز الكفر والعصيان،  وأنزل الله فيه سورة كاملة يتوعده فيها، وامرأته بالعذاب،
فهل بدل الله نعمته على نبيه لسوء عمه؟

_سبحانه عما يصفون _ إن الله و هو العدل المطلق،
والحكم الأنصف أنزل شريعته بأنه  لا تأخذ نفس بغير ذنبها،
بل كل مأخوذ بإثمه،
معاقب بجريرته.
فأول الخطوات لتحقيق العدل الاجتماعي هو:
ألايحمل المحسن وزر المسيء، ولا المسالم وزر المشاغب،
فأيهما أولى؛
أن نجرم ونحرم ونمنع إنسانا من تولي وظيفة بحجة أن  قريبا له أو بعيد ارتكب جرما،
أليس الادعى عقلا أن نكفر بنبوة السابقين فكيف تقبل رسالة آدم الاصلاحية،
ومنظومته النبوية الأخلاقية،
وهو عجز عن إيصالها حتى غدا أحد أبنائه صريعا للآخر،
و إن أنكر نبوة إبراهيم إذا كيف يدعوني أن أنكر أصنام  عمه صانعها!

ثانيا :
المجتمعات الحديثة تسير بخطى واسعة نحو العولمة، وبفضل كتابات عدد من الفلاسفة الغربيين حول وحدة الأفكار والنظم السياسية الديمقراطية، والاقتصاد الحر الرأسمالي.
وليس أصدق من أن العالم يسير باتجاه العولمة، من أن الشباب المولعون بالروايات لا يقتصرون في قراءاتهم على كتاب بلدانهم بل تجده يقرأ لديستويفسكي الروسي،
و همنجواي البريطاني،
وبرنارد شو الإيرلندي،
وإيزابيلا الليدي البرازيلية،
وغسان كنفاني الفلسطيني.
كل كاتب من هؤلاء يصور خبايا مجتمعه وأوضاعه الداخلية،
فتجد القارئ وهو في أقاصي إفريقيا  أصبح مهموما بالقضية الفلسطنية من كتابات كنفاني،  معاصرا للتهجير القسري في روايته “رجال في الشمس” و تجده يتاسى، ويتألم لأحوال  قبائل الطوارق الليبية من كتابات عبدالرحمن الكوني،
ويلعن المجتمع الدولي الذي لم يقدم لهم المعونة والطعام،
ويشعر بنشوه النصر التي حققها الأمريكيون في حرب الاستقلال من كتابات برنارد شو.
نعم،
زالت الحواجز والحدود بين الدول،  واختفت من العالم كلمة العزلة، وسادت الأفكار الأوروبية  النهضوية الحديثة _و ليست أفكار التحررية والديمقراطية والليبرالية_ أفكار أوروبية  فحسب، ولكنها خلاصة إرهاصات فكرية طويلة شارك فيها العرب والغرب على حد سواء،
و تسربت هذه الأفكار لعالمنا العربي في عهود البعثات التعليمية التي أرسلها محمد علي وإسماعيل باشا، و
وجدت قبولا جماهيريا واسعا،
ووضعت الدساتير مشتملة عليها.

إن الأحزاب  الدينية تعوق مسيرة العدالة الاجتماعية،
فهي مصدر خوف وخطر ليس فقط علي أيدولوجية الدولة،
ولكن أيضا هي حجر عثرة أمام  العولمة الفكرية.
وألأحزاب الدينية مشتملة أيضا على أفكار مناهضة للتيار الفكري العام،
فهم يدعون لنبذ الديمقراطية،
والعودة للشورى !
و كأن التاريخ لم يتجاوز بهم القرن العاشر،
و هم يرفضون النظم الاقتصادية الربوية، ولكنهم عاجزون عن الإتيان ببديل عنها!
وهو أمر يطول الحديث عنه.

المهم في الأمر أن الأحزاب الدينية والمنتمين إليها والمؤمنين بأفكارها يعطون حجة تنفذ بها المؤسسات السيادية فتمنع أبناءهم وذويهم والمؤيدين لفكرهم من الالتحاق بها بحجة أنهم يشكلون خطرا علي مدنية الدولة،
و لو أن الأحزاب الدينية فهمت أنها بوجودها تشكل حجة للقضاء علي العدالة الاجتماعية فيجب عليها أن تتدخل من تلقاء نفسها حتى تبطل حجتهم في ذلك.

إن مما يثير حقدي وحنقي أن أسمع  كلمة وظائف سيادية أو أصحاب الشرف الرفيع تطلق على وظائف محددة يراد بها مؤسسات بعينها،
هل هناك كليات تنتج السادة وأخرى تنتج العبيد!

و حتى تكتمل الصورة أمام أعينهم،  فإن الطلاب بما غرسه فيهم أساتذة التعليم الأساسي من قيم المواطنة و الفداء وحب العمل،
فسرى فيهم حب الوطن والسعي لرقية،
فلما بلغوا مبلغ الشباب فكروا وتفكروا في أية مرافق الدولة أكون أعظم أثرا وأنفع لوطني؟  أحدهم رأي في نفسه ميلالتربية الأجيال، وآخر استهوته دراسة الطب والأحياء،
و ثالث رأى أن الله مصطفيه بحمل شرائع السماء ليقيم العدل في الأرض فالتحق بكلية القانون.

و إذا كان المثل العربي”بالضد تعرف الأشياء” فإذا كانت كليات تخرج السادة،
فهل يٌظنْ أن كليات كالطب والهندسة والسياسة والقانون تٌخْرج عبيداً؟!

ثالثا:
أن يتشكل في نفوس الناس عامة شعور بأن الظالم لم يعتدِ فقط على حق المظلوم، و
إنما سلبهم جميعا حقهم، وبأنه ليس أحد في مأمن من ظلم المستبد حتى ولو طالت غيره وتأخر ميقاتها عنه،
فيكون هذا الوعي الجماعي حائط صد تتكسر عليه سبل الظلم و صنوفه.

أما الذين رضوا بالظلم الاجتماعي فلا تخرج علة رضاهم عن أحد هذه الأمور:

1-إما أنهم  من المنتفعين المستفيدين من الظلم الواقع على الجميع؛بأن الظالم
حباهم العطايا وقربهم ومنحهم فوق ما تؤهله لهم ملكاتهم و مواهبهم الخاصة.

2- أو أنهم طفيليون كخبائث الحيوانات والحشرات التي لا تعيش إلا على خرائب الأرض،
فهم يعلمون أنه لو طبق العدل الاجتماعي لتجلى للناس عجزهم.

3- أو راوا فيمن سبقوهم أنهم وجدوا مسالك ودروب في هذا النظام الاجتماعي الظالم فوصلوا لمراتب العزة والشرف فيه،
فمنوا أنفسهم بأنهم سيجدون طرقا ينفذون منها كما نفذ السابقون!

4- وهناك نوع رابع و هو أحط الأنواع جميعا،
و هذا النوع يطلق عليه العبيد _و ليست العبودية هنا الاسترقاق،
فقد شرعت القوانين وأقيمت المنظمات الدولية المناهضة للرق،  فجففوا منابعه، وتتبعوا رموزه، وتصيدوا زعماءه حتى خلصوا العالم من وصمة الرق _و لكن العبودية هنا هي عبودية النفس بأن يستشعر في نفسه بأنه أقل من الأحرار، وادنى من الثوار وأحط من النجباء،
و هو النوع الذي تكلم عنه المفكر العربي مالك بن نبي حينما قال:
“لا يستعبد إلا من كان في نفسه قابلية للاستعباد،ولا يظلم إلا من كان في نفسه قابلية للظلم،
ولا نعلم أهي فطرة خلقوا بها،  فلا نملك أن نعيب الخالق أم هي صفة مكتسبة نشأت من معاشرتهم لأجناس من المستعبدين نفسيا أمثالهم!

الكاتب/ محمود الشريف

مراجعة وتصحيح/ إسراء جمال

عن fatima saleh

شاهد أيضاً

عليك حماية حلمك حتى بلوغه ..

  عليك حماية حلمك حتى بلوغه .. نحن معشر الشباب نعاني الكثير في هذه الفترة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *