الرئيسية / اخر المقالات / هل أنت معي أم ضدي؟

هل أنت معي أم ضدي؟

 

أخبرني قبل أن تدخل صراع الأحرف التالية.. هل أنت معي، أم أنك ضدي؟
لابد أنك إما مع أو ضد، وليس لك أن تستنبط صفاً ثالثاً مخالفاً؛ فالصفوف الثالثة في مجتمعاتنا العربية صفوفٌ هلامية شفافة، لا تُرى ولا يُعترف بها.
ربما تتسائل الآن: بما يهذي هذا الكاتب؟ وفيما سؤاله؟
سؤالي في الحقيقة ماهو إلا صورة مصغرة عن طبيعة الحرب الباردة التي خلقتها الأحداث السياسية الأخيرة في الوطن العربي والظاهرة “المكارثية” التي آلت إليها مجتمعاتنا إثر ذلك، في ظل وجود رأيين لا ثالث يتاربهما، فأنت إما مع هذه الفئة أو ضدها، وفي هذا حشحش القوم وانقسموا، كلٌّ يغني اللحن الذي يتماشي مع إرادته وقناعته حتى وإن بُنيت على ضرر البقية، فبات الأول يضرب الثاني باتهامات تنزل في خاصرة وطنيته، والثاني يسعى لسربلة الأخر بثياب الخيانة والعمالة والصهيونية، ويقذفه بجلِّ ما ينفي عنه أخوة الوطن مع الأول، كلٌّ منهما يرتل بلسانه مايجوس به قلب من يحسبه عدوه وعقله، لتشمخ العداوات بين الطرفين، ويعلو هزيم الكراهية شاحناً الأجواء بالبغضاء. وعليه فإن المشهد السياسي في بلادنا بات يتسم بالمكارثية بشكل مخزي؛ حيث الواحد منّا يوجه الاتهامات جزافاً لمخالفه بالرأي، ثم لا يلبث الودُّ حتى ينهدم، وتموت القضية تحت ديجور العقول ولغوب الحجج، وفي ذلك يؤسفني أن أقول أن أمير الشعراء <أحمد شوقي> قد جانبه الصواب حين قال في رائعته < مجنون ليلى>:
“اختلاف الرأي لا يفسد للود قضية”
فقد فسدت القضية، وتهافت الود في بئر من خلافاتٍ لا تنضب.

 

إن العربي اليوم أصبح في مفترق طرق بين رأيين، كلٌّ منهما يعارض الأخر وينافيه، ويدير ظهره لأي محاولة وليدة لالتقاء فكري ولو بسيط، ولو جئتك بإثنين اتخذ كلٌّ منهما طريق مسيره، واتجاه تفكره فيما يحصل على الساحة السياسية، ثم اجلستهم على طاولة حوار أتطلع أن نرسم على سطحها دوائر تتداخل حوافها، لما وصلنا إلا إلى حفلة قرع طبول، كلٌّ من طرفيها يجزم بعلو صوت طبله على طبل الأخر، دون أدنى محاولة من أي منهما لخلق لحنٍ مشترك يطرب مسامع العقلانية أو يُرقص أحرف الحياد، فالعقم الحواري سمةٌ واضحةٌ لكلِّ نقاشٍ عربيٍ في ظل التعنت بالرأي الذي يغص به حلق العروبة.

أما الحياد فهو منطقة استراحةٍ هلامية أو رمادية بين بداية طريقين؛ والمكوث فيها والتظلل بمظلات اللاانتماء، أو النأي بالنفس يكاد يكون مستحيلاً… فأنت إن لم تنتمي بنفسك، ستنتمي رغماً عنك؛ حيث كلُّ طرف من الأطراف سيلقيك على الأخر، فلا تعجب إن وجدت نفسك يوماً -وأنت اللامنتمي- تقبع في سجن لأنك لم تعلن انتمائك الصريح لسجانه، فأرتأى أنك ربما تنحاز بذلك للطرف الأخر، مكوناً خلية، تغفو تحت سطح خفي من القنابل المؤقتة، قابل للانفجار في أي لحظة ناسفاً أسوار سجنه وروح سجانه.

والحياد يراه البعض منهجاً مناسباً، يبعثر الأذى الناتج عن الانحياز لطرفٍ دون أخر، والولوج لمعترك التناحر بين طرفين، كلٌّ منهما يرى أن الحق سيفٌ مصقول بيده، إذ أنهم يؤمنون بمبدأ أنه “ليس بالحتمية أن نلتزم حزباً معيناً” وأن الأسلم هو إقصاء الحزبية من حساباتهم، إن هؤلاء في الغالب يرزحون تحت تلال من الخوف والجبن تقض مضجع الانتماء لديهم.

ثم تعال أعرض عليك رأياً اتبناه أنا في هذا الخصوص
الحياد أو المنطقة الرمادية كما أحب أن أدعوه.. منطقة لا أجد أن الإيواء إليها في ظروف المنطقة الراهنة منطقي؛ فالمرء لابد أن يتخذ موقفاً صريحاً واضحاً، يسطع مبدداً ضبابية اللاانتماء، فإما إلى الخير تلوذ، أو إلى الشر، وإما العدل أو الظلم، وإما الجلاد أو الضحية، فالمواقف المصيرية المتعلقة بقضايا إنسانية، لابد فيها من جنوحٍ يعين ذاك الذي ترى أنه الأحق بجنوحك إليه.
وهو حين تتقابل الحياة مع الموت، والحق مع الباطل، ماهو في رأيي إلا عهرٌ يسربل ثوب إنسانيتك، ويقصيك إلى التصنيف البشري ليس أكثر.
كأن تتوشح الرمادي بينما أبناء جلدتك يتوشحهم الأحمر الناتج عن ظلم الطرف الأخر وغطرسته، وأن تصمت في حين أصوات نحيب وعويل المظلومين يشق عنان السماء، وأن تغمض عينيك عن دموع تسقط من عيون حرةٍ تكالب عليها الخسيسون.
إلا أنني قد ألتزم هذا المبدأ في قضيةٍ لا أجد فيها ضرر قد يصيب أمة أو مجتمعًا نتيجة تضللي بالرمادي.

والراعي الرسمي لقرارك هنا هو العقل، دون الاستناد للعوطف وإن كانت راغبة في اللجوء لحزب ما، فأنت بتقديرك ستعي إن كنت قد وغلت أرض الفتن، أم أنك لازلت في مأمن من ذلك.
لذا فإن مبدأ الحياد هنا ربما يجد له كرسياً يسعه ويعلي شأنه!
لتجلس حينها بين مفترق طريقين منتظراً ما تؤول إليه الأمور، مستتراًبالضباب عن كلِّ ما يدور حولك.

 

إن أوطاننا غدت تتسم بقيظٍ حارقٍ جفف حلق الحريات والحقوق، وأظهر لنا صغار نفوسٍ لهم في القمع المكاريثي فوائد تجعلهم يصقلون أفضل مهاراتهم السلطوية؛ للنيل من الأطراف التي تهدد محسوبياتهم ومصالحهم، وما ذلك بشنشنة غريبة على العرب؛ إذ أنهم ومنذ سالف العصور كانوا ينهجون منهج ال ” إما وإما” معي أو ضدي، وذلك يعيدنا للسؤال الأول… هل أنت معي أم أنك ضدي؟ دعني أخبرك أن الجواب لا يهمني كثيراً، ولكنني وللحق أوقن أنك لابد إنك إن لم تكن معي فأنت ضدي.

#أبد_الحاج

مراجعة وتصحيح/ إسراء جمال

عن fatima saleh

شاهد أيضاً

عليك حماية حلمك حتى بلوغه ..

  عليك حماية حلمك حتى بلوغه .. نحن معشر الشباب نعاني الكثير في هذه الفترة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *