الرئيسية / روايات / عروس الغربة – الجزء الثاني –

عروس الغربة – الجزء الثاني –

 

 

سكوبي دو

تدقيق لغوي: فيحاء العمامي.

 

كان يركض مسرعًا ويتخبّط في كلِّ ما يقابله، ملامحُ القلقِ والتوتّر مرسومةٌ علي وجهه، وقف أمامي فجأةً، لا يستطيع التقاط أنفاسه، نظرتُ إليه بخوفٍ وتعجّب…ما أمر هذا الشخص؟

حينما دقّقتُ في ملامحه أدركت أنّه عريسي المنتظر، نظر إليَّ وهو يحاول جاهدًا أن ينطقَ بعضًا من الحروف المتقطِّعة

  • أنا…آسِـ..ف بجد…أصــ…
  • خد نفسك الأول وبعدين اتكلم.

جلس جواري ونظر إليّ بقلقٍ

  • معلش بجد…أصل حصلت معايا مشكلة…كنت خايف لحسن تخافى وأنتِ لوحدك…أنتِ كويسة؟
  • أنا الحمد لله، بس أنت اللى واضح إنك مش كويس…

نظر إلى ملابسه ووجدها بحالةٍ  مُزرية، ثم نظر إليّ بخجل وهو يحاول أن يهندم نفسه.

  • المفروض إني عريس، والله  أنا كنت أحسن من كده بس لما لقيت الطريق واقف واتاخرت عليكِ نزلت وخدت باقى الطريق جري…وهمّ هيحصلوني.
  • همّ؟
  • اه صحابي…أنا آسف بجد.
  • ولا يهمك، حصل خير.

حمل حقائبي وعند خروجنا من المطار وجدتُ سيارة  مزيَّنة بالورود ومجموعة من الشباب يرتدون البذلات ويهنِّئون ويغنون ويصقفون، لوهلةٍ ابتسمت، اعتقدتُ أنّي عروسٌ ولكنّ الخوف والقلق كانا يسيطران عليّ.

اتّجهنا إلى المنزل في زفةٍ بالسيارات…

 

 

 

( في المنزل ) …

غادر الجميع وأنا مازلتُ جالسةً والخوف يتزايد أكثرَ فأكثر، اقترب مني (عبد الرحمن) مبتسمًا “مبروك يا عروسة”.

دون أيّ مقدمات بدأ جسدي يرتعشُ بقوةٍ، وجدتُ نفسي أبكي وأبكي، كانت أنفاسي تتقطّع وشهقاتي تتعالى شيئًا فشيئًا، كان واقفًا مصدومًا لا يدري ما الذي يحدث..!

حاول أن يقترب منّي

  • أميرة ! مالك فى ايه؟
  • ولكني تراجعت وازاد بكائي “مفيش “.
  • طيب خلاص والله مهقربلك متخافيش…اهدي شويه واقعدي.

جلست علي طرف الأريكة وأنا أناظره  بذعرٍ واضح على ملامحي، أردف قائلًا:

  • أنا عاذرك…هسيبك براحتك وعاوزك تطمني أنا مش هعمل حاجة غصب عنك.

ثم دخل الغرفة وأحضر ملابسه ” أنا هنام هنا، ادخلي يللا الأوضة غيري وظبطي شنطتك ومتخافيش “.

أسرعتُ إلى الغرفة وأقفلتها وارتميت على السرير وأنا أبكي حتى غفلت عيناي من الإرهاق والتعب.

 

 

مرّت أيام وأنا أقطن في هذه الغرفة الصغيرة لا أخرج منها إلّا لشيءٍ ضروري، كنت أتجنّبه دائمًا وهو لم يحاول أن يقترب مني أو يتحدث معي، كان دائمًا يكتفي بابتسامةٍ تحيّرني في أمره.

وفي يومٍ ما كان جالسًا يتناول الطعام وأنا مررتُ بجانبه، نظر إليّ وابتسم ابتسامته المعهودة

  • هتفضلى مخصمانى كده كتير !
  • أنا مش مخصماك.
  • طيب ممكن تقعدى تاكلي معايا ؟
  • مليش نفس.
  • نظر إليّ بكلّ حب ” اقعدى معايا عشان خاطري “.

جلستُ بعد أن شعرتُ بشيءٍ ما يتحرك بداخلي، شعرتُ بالخجل من نفسي عندما جلستُ معه، أمّا هو فقد كان يعاملني بكلّ لطفٍ واحترام.

  • أخبارك ايه دلوقتي ؟
  • الحمد لله كويسة
  • أنا هتكلم على طول…أنا عارف إنك متعرفنيش ومقدّر إحساسك وخوفك مني، بس أنا جوزك وليّا حقوق عليكِ.

انتفض قلبي وتغيّرت ملامحي فأكمل حديثه بابتسامةٍ ليطمئني.

  • يعني لو ممكن بس تبقي تحضريلي الأكل وتقعدى معايا…أنا مش حابب كل واحد يبقى فى حاله كده، وعشان كمان ناخد على بعض ونفهم بعض أكتر.
  • نظرتُ له بحيرة  ” بس كده ؟ “.
  • اه بس كده…أنا قُلتلك قبل كده مش هعمل حاجه غصب عنك، ومستني لحد متعرفيني وتوافقي إنك تكوني مراتي بجد ولحد ده ما يحصل مش هفرض عليكِ حاجة.
  • أنت اتجوزتني ليه ؟؟
  • عشان بحبك ( قالها دون تردد ) واختارتك تكوني مراتي.
  • نظرت إليه بعدم تصديق ” أنت بتقول أي كلام وخلاص… صح ؟ “؟
  • لا مش بقول أي كلام وخلاص…أنا كنت صاحب أخوكِ وشُفتك أكتر من مرة وكنت معجب بيكِ جدًا بس كنت لسه فالجامعة وبعدين سافرت…ولما قررت اتجوز كلمت أهلى عشان يخطبوكِ وبس.
  • يا سلام ..! وهو ده الحب؟

الحب إنّك تعرفني وتفهمني وإنك تدوّر على سعادتي، الحب عمره ماكان أنانية ولا إنك تشوف بنت تعجبك تفتكر إنك ملكتها.

  • ومين قال إني عملت كده ؟…أنا فعلًا حبيتك بجد وبتمنى سعادتك بس أنا عارف أهلك مقفلين عليكِ، أنا معملتش حاجه غلط، أنا اخترت الطريق الصح واتجوزتك.
  • بس ما اهتمتش بيا ولا بمشاعري ولا إني عاوزاك ولا لاء، ما اهتمتش إني ممكن أكون أتعس إنسانة في الدنيا وأنا مش عارفة آخد قرار فى أهم موضوع فى حياتي.

اختنق صوتي بالبكاء وسالت دموعي، اقترب منّي وجلس على ركبتيه وتحدّث بهدوءٍ وحنان .

  • ممكن يكون كلامك صح، بس أنا ماكنش عندي خيار تانى، أنا مش عاوزك تزعلي مني، وأنا مش بجبرك على حاجة…حاولي تديني فرصة تعرفيني وتقربي مني ووعد مني لو فى يوم قولتيلي إنك مش عاوزة تعيشي معايا هنزلك على مصر.
  • طيب ليه كل ده ؟ وإيه اللى يجبرك تعمل كده ؟
  • قُلتلك عشان بحبك…وعندي أمل إنك تحبيني أنتِ كمان.

شعرتُ بصدق كلامه، كان بداخلي شيءٌ ما يطمئنني، قرّرنا أن نعقد هدنة حتي نتقرّب ويتعرّف كلانا على الآخر.

 

تمرّ الأيام والشهور والوضع كما هو عليه، يذهب عبد الرحمن إلى عمله وأنا أقوم بمهامي في المنزل وعند عودته نتناول الغداء معًا ثم نتناقش في موضوعٍ ما أو نشاهد التلفاز حتى موعد النوم أدخل إلى غرفتي وهو يخلد للنوم على الأريكة، كنت أشعر بحنانه واحترامه وحبّه، كنت أشعر بالاطمئنان، والأمان تسرّب داخلي وأبدل الخوف الذي امتلكني سنوات طوال، كان متفهمًا جدًا، يناقشني ويحترم رأيي ويقدّره، عشتُ معه أحاسيسَ ومشاعرَ طالما تمنّيتها وحلمتُ بها، كان يهتم لأن يعرف أدقَّ تفاصيلي، ما أحبُّ وما أكرهُ، ما هي أحلامي وأمنياتي، شيئًا فشيئًا نما بداخلي شعورٌ تجاهه،  ولكن لا أدرك هل هذا الحب أم مجرد تعوّد على وجوده معي..!

 

وفي يومٍ ما…

  • أميرة أنتِ حلمك ايه ؟
  • تنهدتُ في حسرة ” حلمي…حلمي مات ودفنته من زمان”.
  • طب قوليلي ايه هو و بلاش تشاؤم، مش يمكن أقدر أحققهولك.
  • نظرتُ إليه بحماس وفرحة ” بجد ممكن تساعدني إني أحققه ؟”.
  • طب قولي الأول ونشوف.
  • حلمي كان إني أدخل كلية الإعلام…أنا بحب الكتابة وكانت الحاجة الوحيدة اللي بعرف بيها أخرَّج اللي جوايا، كنت بحلم أبقى صحفيه كبيرة أو مؤلفة مشهورة – ثم ابتسمتُ في حزن – بس كان حلم مستحيل.
  • طيب أنا عاوز أشوف اللي بتكتبيه.
  • لا طبعًا.
  • وقف من جلسته وهو يحاول أن يجذبني كي أقوم من مكاني ” لا يللا قومي عاوز أشوفه…يللا بقى “.

وهو يحاول أن يجذبني بقوة وجدت نفسي في حضنه، استسلمتُ للحظةٍ لهذا الحضن الدافئ، كنت أسمع نبضات قلبه، ابتعدت عنه مسرعةً في ارتباكٍ وخجل.

  • طيب أنا …أنا هدخل اجبلك…يعنى هجبلك الدفتر.

دخلت مسرعةً إلى غرفتي ونظرت في المرآة كانت وجنتاي محمرتين والابتسامة مرسومة على شفاهي، أخرجت دفتري من الدرج وذهبت إليه…

  • اتفضل بس بلاش تريقة.

أخذه مني وبدأ بمطالعة ما فيه باهتمام، يقلب صفحاته وملامحه ثابتة غامضة لا تدل على السعادة أو الضيق شعرت بالقلق يتسرب  داخلي ونظرت إليه بشك

  • وحش..!!!
  • أنتِ  ازاى كده ؟
  • كنت عارفة إنه وحش…ياريتني ماورتهولك.
  • نظر إليّ بابتسامة ” وحش إيه ؟ ده حلو جدًا، أنتِ بجد موهوبة وأسلوبك حلو أوي.
  • بجد..! بتضحك عليا ؟
  • بجد والله، بصى أنا ليا واحد صاحبي شغال فى مجله هنا ..هكلمهولك.
  • بجد !!
  • آه بجد.

كنت أشعر بالسعادة ودقات قلبي تتزايد، كنت أتمنى أن أرتمي بين أحضانه، عندها أيقنت أنّ هذا الشخص هو مصدر سعادتي وحلم حياتي، أدركت أن الله كافأني وعوّضني عن كلّ ما حدث في حياتي وكلّ الخوف والقلق الذي شعرت به بهذا الرجل الذي أصبح مصدر الأمان بالنسبة لي، كما أدركت وأيقنت أني أحبُّ هذا الرجل من أعماق أعماق قلبي.

وتمرّ الأيام مرة أخرى وفي يومٍ كنت واقفةً كعادتي أحضِّر الطعام وأنتظر عودته بفارغ الصبر سمعتُ صوته ” أميرة…أميرة ” نظرت إلى الساعة مازال الوقت مبكرًا على عودته إلى المنزل، ذهبتُ إليه مسرعةً وملامح القلق ترتسم على وجهي ” في إيه ..؟ ”

 

…يتبع

عن fatima saleh

شاهد أيضاً

أبهانِي المَها في طَلة

  أبهانِي المَها في طَلة من نظرةٍ دَق قلبي نَبضةً وتوقفَ متسائلا؛ ماذا تَسنّى للعين …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *