الرئيسية / روايات / زحمة_رسائل

زحمة_رسائل

 (إلى ابنة حلمي)

ابنتي التي قاربت عشر سنين روحية، ولازالت تحيا بداخلي. تلك التي خانها ضعف رحمي، فأجهضها حلماً، وأنكرها واقعاً، في محاولة عابثة لإزهاق روح الأمومة القابعة بعنفوانٍ ملكيٍّ داخلي، متجاهلاً بتعنتٍ أحمق أنني أمٌ بالفطرة حتى وإن فقدت دعمه وهو الراعي الأول لأمومتي تلك. ابنتي التي حلمتُ بها عمراً أفلَّ، ولن أتوانى عن العيش معها حلماً في ما هو منه مقبل، علَّني أستأنس بنور وجهها في عتمة ليلي الكئيب. إليك طفلتي أكتب: أدين لك أيتها الحبيبة باعتذار نيابةً عنه . نيابةً عن ذاك الرحم الذي خذلني قبل أن يخذلكِ، وأعلن حكماً ظالماً لا يقبل استئنافاً على أنوثتي قبل أمومتي، متبجحاً فيه برفض وجودك في ظلمته التي اعتادها، فما عاد يريد لأي نبضٍ رقيق أن يبددها عليه. إنه يخاف يا طفلتي، لا يغرنك تجبرهُ. إنه يخاف أن يغزو لون الزهور المعانقُ لوجنتيكِ كل أسود في زواياه. يخشى أن تبثي فيه روحاً نقيةً بعد موته الطويل فيعتادك، ثم تدق ساعة الفراق بينكما على حين غفلة، ومثله لا يستطيع فراق مثلك وقد كنتِ له كبريقِ هلال وسط صحراءٍ موحشة. يخاف يا طفلتي لحظةً تطلقين فيها صرخةَ الحياةِ معلنةً استقلالكِ عنه. لذا قرر أن ينسف خوفهُ بقسوةِ نفيك عن أرضهِ الجدباء قبل حتى أن تأتيه. أخشى يا ابنةَ أحلامي أنني أبحث له عن تبريرات سخيفةٍ كسخافةِ وجودهُ داخلي . طفلتي… تعالي أحكي لك عن لياليَّ، تلك التي طالما ناجيتك فيها، فما تأخرتِ بالرد يوماً، وكأنك تعتذرين بذلك عن ابتعادك واقعاً. تأتينني بهالةٍ من نور، متوشحةً براءة الدنيا، متمسكةً بكل معالم الطفولة التي خلت من تشوهات عالمنا. تأتينني تتهادين في مشيتك بدلالٍ تارةً، وتارة تقفزين مرحاً وتشعين سعادةً، كأنكِ شمسٌ تنسفُ غيومَ روحي المتلبدة، تقتربين مني ثم يشرق وجهك الحبيبُ ببسمةٍ ملائكيةٍ تبث دفئها فيَّ، فتذيب كل صقيعٍ كبلَّ قلبي المتلهفَ المشتاق لروح الطفولة التي تتلبسكِ. تقتربين أكثر، وتختارين حجري مجلساً لكِ، وقلبي موطناً لرأسكِ. أضمكِ لصدري، وأعيشُ عمراً جديداً في أريج رائحتك الطفولية. أغمض عينيَّ كأنني لا أغمضهما في الواقع، لأغني لكِ بعضاً من تلك الأغاني التي حفظتها منذ شبابي لأجلكِ، أرددها بسعادةٍ مؤقتة، أحاول أن أختزن منها شيئاً أتزود به في نهارات حزني الطويلة. حبيبتي: ضفيرتيك اللتان طالما ضفرتهما لك بتأنٍ كسولٍ اتحدى فيه نشاط الدقائق التي تتسابق لتأخذكِ مني، كانتا حبال من فرح أشنقُ بهما كلَّ حسرةٍ تتجرأ على هدم أحلامي التي أحياها بلقياكِ. بسمتك الرقيقة التي ترتسم على كلِّ ثغرٍ ورديٍ لطفلةٍ ألتقيها في الشارع، هي تربيتةٌ ناعمةٌ على فؤادٍ أضناه البعد. نظراتك الشقية التي تسكبينها في عيون كلِّ طفلة يجمعني بها يومي، تُسكرُ روحي بنشوةٍ أموميةٍ، مخففةً عنها عناء الفقد. ولازالت قطعة الحلوة التي احملها كلَّ يوم في حقيبتي تبحث عن رحيقِ فاكِ بين الأفواه الطفولية التي تبتسمُ لي في وسائل النقل ببراءة وود . ملامحكِ الموزعة على كل وجهٍ بريءٍ صغيرٍ في محيطي، تبثُ فيَّ عزماً للمواصلة في رحلةِ شقائي، علَّ محطةَ الوصول تحملُ لنا عبقاً من لقاء. صغيرتي : أتعلمين حجم العذاب الذي يستكين بداخلي منذ أخبروني دون رأفةٍ أن حياتي الدنيا لن تتزين بكِ؟ أتعرفين ما أعانيه حبيبتي وأنا أتلقى سهاماً من نظرةِ كلِّ أمٍ تراني اداعب طفلها الذي وجدتُ فيهِ شيئاً منكِ؟ تكاد إحداهن يا طفلتي أن ترفع أصبعها الخمسة في وجهي، والأكيد أنها لن تتوانى عن ترديد المعوذات بتمتمة أعرفها جيداً. يغالبهنَّ الظن أنني أحسدهن! كيف لي ذلك وأنا التي تعرف أنَّ طعمَ الحرمان قاسٍ ولاذع يعاور القلب تاركاً إياه مضنى من التعبِ . ما قولك عن الغصةِ التي ابتلعها كسكينِ ذات نصلين، حين يسألونني عن إذا ما كنتِ قد قررتِ خيانةَ الأحلام ومعانقة الواقع ؟ لم يسألونني يا حبيبة وهم يعلمون أن فرحتي بخيانتك تلك لن تخفى عليهم أبداً إذا ما حدث ذلك ؟ هل يتعمدون نكأ جراحي؟ أم يتلذذون بجعلي ألعقها كل ما أرادوا ؟ أنا يا ابنتي أكرهني…. أكره ضعفي وهواني، انهزامي المخزي أمام العقم، دون أن أنهشه بأسنان أمومتي، فأقتله شر قتلةٍ دون ادنى شفقة. أكره نهاراتي التي تجبرني قسراً على تركك وحيدةً في أحلامي، دون مراعاة لكونك طفلةً تخشى الظلام وحدها. أكرهني حين اشتاقك فلا أجد غير دموعي تهبط مالحةً على أرض روحي البور، فتزهق كلَّ برعمٍ من أمل كان يعافر ملوحة أرضه علَّهُ يعانق شمس الحياة. إليك يا طفلةً بعمر الحلم أرسل …. تركتني واقعاً، فهلا لازمتِ أحلامي؟

#أبد_الحاج

عن fatima saleh

شاهد أيضاً

رسائل لم تصل يوما

الرسالة السابعة .. ” – كيف حالك ؟! هكذا بدأتِ محادثتي اليوم، آه لو تعلمين …

2 تعليقان

  1. أبداع متواصل بنت خالتي ربي يوفقك 😍😍😍⚘⚘⚘⚘

  2. ريهام الناجي

    كيف لك أن تشرحي هذا الألم بتلك الدقة كما لو أنك عايشته فعلا
    آلمني نصك جدا بطريقة لن تفهمها إلا من عانت ألم الفقد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *