الرئيسية / روايات / رسائل لم تصل يوما

رسائل لم تصل يوما

الرسالة السابعة .. ”

– كيف حالك ؟! هكذا بدأتِ محادثتي اليوم، آه لو تعلمين يا صغيرة كيف كانت سعادتي في تلك اللحظة، أيمكن لي أن أكُون بسوء و أنتِ تُحدثينني .. أكاد أُجزم أنني لم أكن بحالة جيدة من الأساس، و لكنني بعدما فرغت من الحديث معكِ، لم أعُد أتذكر شيئاً سوى أنني في غايةِ سعادتي الآن .. كُنت أستعد لأكتُب لكِ رسالة طويلة، أوبخِك فيها على تركي في مثل هذا التوقيت، و كل تلك المصائب التي تتهافت عليّ، و لكنكِ لم تفعلي، و كأنكِ سمعتِ نداءات قلبي فاستجبتِ ..

– أتذكُر كيف تقابلنا ، هل لكَ أن تُذكرني ؟! لم أسمح لقلبي أن يكسوه الوجع فور قراءتِه لتلك الجُملة ، تَركته فقط يشعر بالسعادة ، و يخفق لتذكر كيف كانت صُورتُكِ يومها و أنتِ مُرتدية منامة المَشفى ، تمدد جسدك على السرير بغُرفة لم يكن ليقربها أحدهم يوماً بتعليمات مُسبقة من مدير المشفى ، و لكنني لم أُكن مُلتزماً بالتعليمات طوال حياتي ، فطَرقتُ بابك ، لا أعلم وقتها أطرقتُ أنا الباب ، أم طرقتِ أنتِ باب قلبي ، فسكنتِ به – وحدك – ، لا أتذكر كيف بدأنا الحديث أو كيف تطور بيننا ، و لكني أذكر جيداً أول تلامس لكفيّنا حينما حان موعد خُروجك من المشفى ، و كأنما كُنتِ ترتمين بين أحضاني ، و ليس فقط مجرد سلام عابر سننساه يوماً . أتعلمين لم أصدق يوماً ما قيل عنكِ و عن كم هو صعبٌ وصالك ، أعلم أنكِ مررتِ بتجارب تركت بكِ رُكناً من الوجع و عدم الثقة بجنس آدم ، و لكنني أعلنت الحرب على أوجاعك ، رغبتُ أن أعيد لكِ ثقتك بجنس آدم من خلالي ، أردت أن أكون بوابتك للعالم ، التي تعبرين منها إلى الخارج و تتواصلين بها مع الجميع ، ثم تعودين لتحتمي وراءها في أصعب المواقف ، و كُنت طوال سنتين ” بوابة ” أحتميتِ بها طويلاً ، و لم تخرجي منها يوماً , لذلك حينما أعلنتِ ابتعادك – دون أن تُعلني ذلك – خمنت أنكِ قررتِ أخيراً الخروج من البوابة لتري العالم ، و لكن حين طال بعادك ، أيقنت أنكِ احتميتِ خلف بوابة أخرى فقط ليس إلا، و لكن هل كانت بوابتك التي صنعتِها بنفسك من تجاهل الجميع ، و خلق مشاعر الكُره بداخلهم تجاهك ، و نفورهم منكِ ، حتى صرتِ وحيدة ، كانت كبوابتي ؟! احتميتِ بالوحدة ، و الجفاء ، و البرد ، من أُنسي ، و حناني ، و دِفئي ؟! كيف كُنتِ تقارنين وقتها ؟! و أين كان عقلك ؟! أنا من أقول تلك المرة ، كفاني عتاباً .. فإنني لا أريد أن أعكر صفو تلك اللحظة و سعادتها .. لا أعلم لم حدثتِني ، رغم أنكِ لم تُطيلي حديثك معي ، و لكن يكفيني أنك تحدثتِ … و أنا كفيلٌ بكِ ، و بقلبكِ .. أنا كفيل بإعادتِك مرة أخرى لبوابتي ، و لكنني تعلمت الدرس جيداً فلن أجعلك تختبئين وراءها مرة أخرى ، سأتركها مفتوحة ، تدخلين و تخرجين منها كيفما تشائين ، و لكن فور أن أعلمك كيف تخرجين و تتعاملين خارجها ، و تعودين إليها في المساء لتحتمي خلفها .. فـلم يُخلق الحُب ليدفِننا خلف بواباتُه ، و إنما ليعالِجنا مما سبق و رأيناه من قبِله ، و ليساعدنا لمواجهة أوجاعنا و كل من حولنا حتى أنفسنا و يكون لنا ” سنداً ” نلجأ إليه حينما نُسيء التصرف ، و تزاحمنا المشكلات ، فلا نعلم كيف نُصلح ذلك ، كالطفل الذي يرتمي في أحضان أمه لتُصلِح عنه أخطاءه ، و لكن يجب أن نتذكر دائماً أن الأم لا تُصلح تلك الأخطاء دون أن تُعلم صغيرها كيف يُصلحها ، و كل محبوب لمحبوبِه ” أُم ” يجب أن تُعلمه كيف يُصلح أخطاؤه ، تحسُباً ليومٍ لن تكون فيه بجوارِه ليلجأ إليها – تحسباً لغدر الزمان بهما .. و هذا ما نويت فعله يا صغيرتي ، صبراً ، سأُعلمكِ ما تجهلينه .. و لن أتركك وحيدة ما دُمتُ حياً .. و لندع قدرنا ينسج لنا طريق العودة .. “

#رسائل_لن_تصل_يوماً
#جهاد_أسعد

عن fatima saleh

شاهد أيضاً

زحمة_رسائل

 (إلى ابنة حلمي) ابنتي التي قاربت عشر سنين روحية، ولازالت تحيا بداخلي. تلك التي خانها …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *