من الجاني

جلس بجواره، يرمقه بعينين شابهما التيه قائلًا:
_أنت تعلم أنه لم يكن خطئي، لم تكن تلك نيتي، آه،  انظر لما جنته يداك.
نظر إليه من رأسه حتى أخمص قدميه وهو صامتًا، رأه طريحًا على ظهره، صدره مليء بعدة طعنات، مصدرها سكين يحمله بيده، استطرد قائلا:
_لو أنك أعطيتني تلك النقود في صمت لما وصلت إلى هذه الحالة، اوقف حديثه و اقترب من أذنيه هامسا:
_أأخبرك شيئًا يا أبي، ثم التفت يمينًا ويسارًا ليردف قائلا:
_أنا حتى لم أشعر بذرة ندم، صمت ممعنًا النظر فى وجهه، ثم قال بهمس أقرب لفحيح الأفعى:
_كم كان قتلك ممتعًا …………….

ليقهقه بعدها بأعلى صوته، لم يوقف قهقهته سوى انتباهه لدخول شخص ما إلى الغرفة فرفع رأسه ليرى يديه مسنده على رأسه مستسلمًا .
_حمدي…..
جحظت عيني حمدي قائلًا:
_كيف عرفت اسمي؟!
بنبرة هادئة:

_حمدي، ألق السكين أرضًا ودعنا نتحدث

وقف حمدي إثر تلك الكلمات، إذ تحولت معالم وجهه إلى الدهشة، جال بنظره عدة مرات بين والده والسكين فقال بخوف متردد:
_أنا .. أنا .. أنا لم أقتله، لم أقتله ….
حاول مجاراته إذ اقترب منه بحذر قائلًا:
_أعلم، ولكن ألق تلك السكين جانبًا قبل أن يأتى أحد


حمدي وقد تغيرت نبرته إلى التهديد قائلًا:
_لِمَ تقترب؟!! ثم اشهر فى وجهه السكين، وهو جاحظ العينين:
_ابتعد وإلا ستلحق به، ابتعدددد ..
فغافله، وبحركة مفاجأة أخذ منه السكين و قيده ليأمر رجاله بالدخول لمعاينه مكان الحادث.
****
في حديقة غناءة بالورود، متعددة ألوان الحياة، تحاط بلون أخضر يبعث السكينة فى النفوس، جلس شاردًا مكلومًا، ناظر في اللاشىء، على وجهه معالم التيه، رأته من بعيد و هي تستمع لمديرها يخبرها عن حالته:
_”حمدي أحمد عبد الله” انفصام فى الشخصية، نتج عن معاملة والده له الغير هينه بالمرة، و نتيجة لمرضه قام هو بقتله، لكن مذ قبض عليه وهو لم ينبث ببنت شفة، ولا يعير لأحد اهتمام.

 قالت وعيناها لا تفارق وجهه:
_إذًا كيف تم تشخيص حالته؟! المدير:
_أخضعناه لبعض الفحوص، كما أخبرنا الضابط الذى ألقى القبض عليه بردة  فعله الذي لا يشير سوى للانفصام.
*****
صداع غريب اجتاح رأسها إذ شعرت بثقل فى جفونها، جاهدت لتفتح عينيها و إذا به جالس أمامها، لتشعر بالطمأنينة وتزفر بارتياح:
_لِمَ وافقتِ على الارتباط به؟! قالها بنبرة خالية من أى شعور لتضحك على مقولته تلك ظنًا منها أنها إحدى داعاباته قائلة:
_ عزيزي قد يكون الشرع أباح لك ثلاثة غيري، لكنه لم يبح لي سواك.
_كيف ترتبطين بقاتل؟! قال ذلك بنبرة غامضة أخافتها .. نهضت مسرعة لتجلس بجواره ثم قالت بحنو بالغ، و هي ناظرة في عينيه الخاليتين من أى شعور:
_عزيزي لقد كنت مريضا وشفيت، لا داعي لما تقول.

 لعب على أوتار أعصابها حيث رمقها بغموض مخيف قائلا بنبرة هادئة:
_أتظنين أن ما حفر في وجداني لأكثر من ستة عشر عاما قد يمحى فى ستة أشهر!!
ابتعدت قليلا ثم ابتلعت غصة حلقها قائلة بعينين حائرتين:
_حسنا، توقف، أنت تخيفني.
جذبها إليه، ناظرًا فى عينيها بشر جعل أوصالها ترتعد، وقال هامسًا:
_سأكون كريمًا معك لما يكنه حمدي لك من شعوور ..
حاولت الفرار من ذراعيه قائلة بخوف:
_حمدي، توقف، ابتعد عني ..
احكم قبضته على معصمها بقوة لتبوء كل محاولاتها للفرار بالفشل، و قال آمرا:
_اهدئي حتى أحكي لك قصة ما ..
جلست بهدوء منتظرة حديثه فاستطرد قائلا:
_منذ عشرين عامًا وحمدي يعاني، من والد لم يبخل ساعة لقتل طفولته ومراهقته وكذا شبابه، قيل لي ذات مرة أن الأطفال بمثابة الصلصال، يشكله الآباء كيفما يشاءون، و والد حمدي شكل فيه الخوف والجبن والضعف، جلد روحه قبل جسده، لم يكتف بالضرب المبرح، فراح يدمر شخصيته، حتى سنحت لحمدي الفرصة للسفر للخارج ليبتعد عن والده وهوائه الذي يتنفسه، المسكين أراد اتخاذ موقف، يعبر به عن كيانه، عن حياته، وبمجرد وقوفه أمامه تحشرجت الكلمات فى حلقه، وراح والده يسبه ويلعنه، حتى ظهرت أنا -قالها بفخر – وقمت بما عجز عنه حمدي طوال حياته ..

صمت ليرى أثار كلماته على وجهها، و استطرد هامسًا:
_لقد قتلته وأرحت حمدي منه ومن وجوده على ظهر الحياة

قالت برعب:
_ولكنك شفيت على يدى، أليس كذلك؟!!
قال بخبث:
_عزيزتى حمدي لم يخبرك الحقيقة برمتها
_ماذا؟!
استطرد قائلا بنفس نبرته:
_لقد فرت والدته مع عشيقها، تاركه زوجًا مهووسًا بحبها، وطفل لم يعِ سواها

جحظت عيناها من هول الصدمة وهو يومئ برأسه أمامها مدعي الأسف ثم قال :
_ المسكين
ابتلعت ريقها بصعوبة وحبات العرق كونت جيوشًا على جبهتها وقالت بمزيج من التردد والخوف:
-من أنت؟؟!!
أجابها بهدوء:
-أنا مرضه…….
تسارعت دقات قلبها لقوله هذا، حاولت الحفاظ علي رباطة جأشها لكنه فشلت وهى تقول:
_لماذا؟ لماذا ظهرت الآن؟ !!!!!
قال هامسًا وصوته أقرب لفحيح الأفعى:
_لقد راودته شكوك – وصلت لذروتها -ناحيتك حيث وجد عشقه لك كعشق والده لوالدته الخائنة .. ….
لم تحرك ساكنًا، إذ فوجئت به يطعنها بكل قوته فى قلبها، ثم راح يتحسس بطنها المتكور وهى تلفظ أنفاسها الأخيرة قائلةا:
_اطمئن ياعزيزي، لن يسمح والدك بمعاناتك.
تمت بحمد الله
#أمنية_أحمد

تصحيح/ ليلى عمر

عن fatima saleh

شاهد أيضاً

الشاعر.. حسام إبراهيم في معرض الكتاب

في مفيش ساعتين كان الاتنين حفروا الأنفاق وبكلّ غباء ماكانوش عارفين هتودّي لفين. ماحناش خايفين؟ …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *