الرئيسية / غير مصنف / عمر بن عبد العزيز الحاكم المعجزة

عمر بن عبد العزيز الحاكم المعجزة

 

الى حكام المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها ،الى كل حاكم يريد دستورا مجيدا للعدالة والإنصاف ، إلى الشبيبة الناهضة التي تتطلع اإلى المثل العليا ، إن التاريخ يعيد نفسه كما تعيد الشمس كرتها من نقطة الإنقلاب ، فلا يمكن لشعب أن يفهم أو يحل مشكلته ما لم يرتفع بفكره إلى أحداث الإنسانية ، فمن خلال دراستنا للتاريخ  فإننا حتما سنجد تلك الشخصية التي تكون لنا نبراسا في حياتنا ومن خلال اقتدائنا به يخرج من بيننا موقظ هذه الأمة إلى نهضة جديدة ويوم جديد تكاد تنعدم فيه المشاكل .
ومثالا لهذه الشخصيات (عمر بن عبد العزيز)  فمن هو أبو حفص عمر بن عبد الـعزيز بن مروان بن الحكم بن العاص ابن أمية بن عبد الشمس وأمه هي أم عاصم ليلى بنت عاصم بن عمر بن الخطاب فهو حفيد الفاروق من جهة أمه ، ولد بالمدينة وقيل بحلوان مصر سنة 63 هـ . هو إمام تقي صالح والخليفة الراشد الخامس الذي يضرب كجده الفاروق مثالا للعدالة والخشية من الله ، نشأ نشأة طيبة وتعلم العربية والحديث ونبغ في العلم كما أنه جمع القرآن وهو صغير، كان يجاهر قبل خلافته بكلمة الحق وما كاد يتولى الخلافة حتى شرع في إقامة العدل ورد المظالم كما أنه ألقى ملابس الخلافة ومراكبها واكتفى ببغلته وألغلى مظاهر العظمة والترف التي كانت تحيط بالخلفاء ، كان مثال الزهد فلم يبن بناء في خلافته فلا يأخذ من بيت المال شيئا ولا يقبل الهدية ولا يقبل أن يستغل شيئا من أموال المسلمين حتى نور السراج ورائحة الطيب وورقة الخطاب … كان حليما صفوحا ، ويحب أن يوعظ حيث وعظه أبو حازم ، القاسم بن مخيرة، مزاحم ،سابق البربري وشيوخا كثيرة ، وقد أحسن عمر في استشارة النصحاء ففي استشارتهم حصافة وهداية ، مع أنه لم يأت عمر لخلافة غافلا قد جهل الأمور ،فقد أتاها على قدر ومعرفة ،قد خبرها عن قرب وعرف كل أحوالها وأعد لكل داء دواء ولم يدع الأمور تجري على سجيتها ، فكان مثلا لا يولي الرجل حتى يختبره ظاهرا وباطنا وقد ضمن باختبار الرجال واختيارهم أن يضع الرجل في العمل الذي يصلح له وينتفع الناس به ، أما قبل عمر بن عبد العزيز فكان الحكام يختارون ممن يقدرون على إيقاع المظالم حتى أصيب العالم الاسلامي بنكسة خلقية ظل يتقلب فيها زمانا وهذا هو حال العالم الإسلامي اليوم ، وأما عن عمر فقد رأى أن لا بد من شرط آخر يضاف إلى العلم والمعرفة وهو أن  العالم قدوة ومثلا صالحا ، كما أنه رأى في القاضي أنه ينبغي أن يجتمع للقاضي خمس خصال : أن يكون عالما بما مضت عليه السنة ، حليما ، ذا أناة ، عفيفا ، مشاورا فإذا اجتمعت كان قاضيا وإن نقص منهن شيء كان وصما فيه . فصارت طبقة القضاة في زمانه مضرب المثل في الرأي والورع فقد أتقنوا معرفة العدالة وحموا عليها وسهروا ،فلم يجد عمر نفعا للعدالة اذا لم يجعل في قاضيها قوة لا تغلب وقهرا لا يكسر ، ولا بد أن يكون القضاء فوق كل شيء حتى الملك والقضاء أمر مقدس كأنه يد الله ، فلا تتم العدالة إلا بتنفيذ الأحكام وقبض الحقوق ،فقد كتب عمر بن عبد العزيز يوما : إن لن أنصفك منه فأنا ظلمته . وقد نادى يوما أنه معول كل مظلوم وأنه لا طاعة لعامل رغب عن الحق ولم يعمل بالكتاب والسنة . أما عن مراقبة العمال فقد دل عمر عماله على الطريق ومدهم برأيه وترك لهم حرية الرأي متى وثقوا من أنفسهم فعدلوا ، وكانت هذه الثقة منه داعية إلى ورعهم واجتهادهم في تحري العدالة ولكنه مع ذلك بات يراقبها ويبث حولهم الأرصاد فويل لمن زل منهم وأخطأ ، وقد كان التوبيخ واللوم الشديد أول عقاب من عمر ، كما أنه لم يغفل عن الرأي العام فلم يسقط حساب الأمة في حكمها على ولاته وقضاته وقد اجتهد عمرفلم يسقط حساب الأمة علي ولاته في ذلك فأحس عامة الناس بأن عمر إنما جاءهم ليسعدهم وليدر عليهم الخير والرزق . وأما عن المال فلم يعد لأحد من حق في بيت المال إلا بحقه حتى القائم على حراسته وحسبه ولم يرى عمر من وظيفة بيت المال حفظ الدنانير وحتى تتجمد بل رأى أنه لا ضرورة في اختزانها اذا كانت حاجة الرعية تستنفذ المال مع حرصه على عدم الإسراف . كما عرف عمر بالرفق بالرعية ورحمة الضعفاء فكلما ازداد الناس ضعفا ازداد عمر بهم رفقا .

لم يغفل عمر عن العلم فقد كرم العلماء وبحث عنهم وجعلهم سنده وأعوانه في مجلسه كما أنه جعل منهاج الدراسة جامعا للدين والدنيا ويراوح بين البدن والروح والقول والعمل، اقتدرت مدة خلافته على أن تصبغ الناس بلونها وتطبعهم بخلقها وطبعها ،وكان الناس يتقون في زمن الوليد بن عبد الملك فيسأل بعضهم بعضا عن البناء والمصانع . فلما ولي سليمان جعل الناس يتساءلون عن الجواري والطعام . أما عندما ولي عمر بن عبد العزيز كانوا يلتقون فيقول الرجل للرجل : ما وردك الليلة ؟ وكم تحفظ من القرآن ؟وما تصوم من الشهر ؟
وهو أفضل ما يتطبع به أمة ويتخلق به جيل
.  وإن أقل ما يحدث من العدالة أن يسعد الناس وأن يستتب الأمن في الأرجاء . وقد حدث أن سادت العدالة في مدة عمر وعم الأمن ونشط الوعي في يقظة الراعي ومخافة الله ،كما أنه أول من دون الحديث فحارب جهل الناس وفقرهم فكان هو المؤدب الصالح وقيل أنه ما وجد فقيرا في خلافة عمر بن عبد العزيز ، حتى أنه روي عن مالك بن دينار أنه قال : لما ولي عمر بن عبد العزيز قالت رعاء اشاة في رؤوس الجبال أن خليفة صالح قام على الناس وأنه اذا قام خليفة صالح كفت الذئاب والأسود عن شائهم .
كانت وفاته في شهر رجب سنة احدى ومئة قيل في السادس فترك أولاده عبد المك وعبد العزيز وابراهيم وبكر وموسى والوليد وعاصم ويزيد وزيان وبناته أمينة وأم عمار وأم عبد الله وزوجاته فاطمة بنت الملك ولميس بنت عي ابن الحارث وأم عثمان بنت شعيب ،  فقال لهم قبل موته :بنفسي فتية تركتهم و لامال لهم ، لقد تركتكم وتركت لكم خيرا كثيرا ا تمرون بأحد من المسلمين وأه ذمتهم الا رأوا لكم حقا.
مات وعمره تسعة وثلاثون سنة وأشهر وقيل أربعون سنة وكانت مدة خلافته سنتين وخمسة أشهر وثلاثة وعشرين يوما ، ودفن في قبر اشتراه قبيل موته بثلاثين ديناربدير سمعان من أرض حمص الشام.   
. بات عمر بما عمل في حياته في مكان الرضا من الناس عامة حتى تسابقوا فيه : فقال الإمام الباقر : إن لكل قوم نجيبة ، وان نجيبة بني أمية عمر بن عبد العزيز وأنه يبعث يوم القيامة أمة وحده وقالت فاطمة بنت الحسين : لو كان بقي لنا عمر بن عبد العزيز ما احتجنا بعده شيء . وبقيت هذه الأقوال تشهد بفضله وتسجل شرفه وفخره ، حتى كأن الأمةالاسلامية لم توهب من مثله إلا قليلا نادرا
كانت مدة
حكم عمر بن عبد العزيز سكينة للناس وأمنا وهدأة للخواطر واطمئنان ثم مضت المدة ولم تعد رغم أن التاريخ يعيد نفسه فان الزمن وهو متشابه الأجزاء والدوران لم يجد عمر بن عبد العزيز في أبناءه شبيها .
عمر بن عبد عزيز هو الحاكم الذي يبحث عنه الناس اليوم فقد بلغ حظه في التاريخ بمسلكه وعدله أكثر مما بلغ القادة القادرون والأبطال الفاتحون فقد كان موضوع اهتمام كل معلم وأديب وكل كاتب ومحدث ، وكل قاض وحاكم ، في شتى عصور المسلمين يتخذونه قدوة وأسوة يصير الزمان بالناس حيث يصلح الناس ويفسد الراعي ، أو يصلح الراعي ويصلح الناس ، أو يفسد الناس مع فساد الراعي …فهل سيأتي اليوم الذي يخرج عمر بن عبد العزيز من شباب الأمة الاسلامية الذي يعتبر شبيبة الدنيا الراشدة التي تريد أن تعيش كريمة مكرمة… فتصلح الأمة الاسلامية مع راعيها ؟

 

من تقديم/ قلاتي فاطمة الزهراء صفية

عن fatima saleh

شاهد أيضاً

هاجر الحاكم ..تكتب

صرخت فيهم بأعلى صوتي بأن كيف لهم أن يفعلوا هذا، كيف يطردوني من عملي وهم …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *