الرئيسية / تاريخ / شعرة معاوية

شعرة معاوية

تناحرت في رأسي التساؤلات والأفكار؛ بعد نقاش بيني وبين صديقة لي كاد يحتدم في أواخره؛ لولا أني قررت اتباع مبدأ السلامة وآثرت الصمت؛ ففي أيامنا تلك إما أنك مؤيد أو معارض؛ حتى لو أقسمت أغلظ الأيمان أنك لا تبغي إلا مصلحة الوطن؛ ولا تنتمي لهؤلاء ولا أولئك لن يُصدقك أحد. كلٌ يتمسك برأيه ويظن أنه الحق المطلق، حتى أنك تجد الشقاق والتصادم بين أبناء الأسرة الواحدة، فبين مؤيد ومعارض تشرزمت الأمة. اعتلت صدري الهموم وأيقنتُ أننا نحتاج لمعجزةٍ إلهية تجمعنا على قلب رجل واحد من جديد. (تُرى ما تكون تلك المعجزة؟!).

ذلك الخلاف بيني وبين صديقتي استجلب لذاكرتي رغم طرازها السمكي سيرة معاوية بن أبي سفيان وشعرته التي طالما ذُكرت في شأن التعامل مع الناس وأخذهم بالحكمة والحنكة، بما يسمى بـ (شعرة معاوية)؛ فيقول المرء متمثلاً بها: “اجعل بينك وبينهم شعرة معاوية” أي تصرف معهم بالكياسة وبُعد النظر حتى تحتويهم فينقادوا لك.

حيث يُقال إن أعرابياً سأل معاوية بن أبي سفيان: كيف حكمت الشام أربعين سنة ولم تحدث فتنة والدنيا تغلي؟ فقال: “إنّي لا أضع سيفي حيث يكفيني سوطي ولا أضع سوطي حيث يكفيني لساني، ولو أن بيني وبين الناس شعرة ما انقطعت، كانوا إذا مدّوها أرخيتها، وإذا أرخوها مددتها”.
(شعرة معاوية) هذه ترسّخ لمبدأ عظيم وأصل وطيد من أصول الحنكة السياسية، وكانت إحدى مظاهر وفور عقله وغزارة فكره وشدة دهائه.

يُعرف معاوية بن أبي سفيان أيضًا بأنه من أدهى من عرفته العرب؛ فقد قيل إن أعظم دهاة العرب أربعة: معاوية بن أبي سفيان، وزياد بن أبيه، وعمرو بن العاص، والمغيرة بن شعبة. وهذا الدهاء الشديد الذي كان يتصف به معاوية خوّله لأن حكم بلادًا مترامية الأطراف، خاصة بعد صلحه مع الحسن بن علي (رضي الله عنهما)، وقد كانت هذه البلاد تعاني الكثير من الفتن والاضطرابات والنزاعات والاختلافات بشتى الأصناف والوجوه؛ فاستطاع بفضل دهائه الذي وهبه الله (عز وجل) له، وبعد توفيق من الله (تعالى)، أن يُدخل الناس في ولايته، وأن يكونوا طوع أمره، فاستتب له الحكم لعشرين سنة، واستوثق له أمر العامة والخاصة لا ينازعه على مُلكه أحد.

إنَّّ معاوية (رضي الله عنه) كان رجل محنّك سياسياً، بعد أن انقسم المسلمين لفريقين متناحرين، أحدهم يتبع الحسن بن علي والآخر يتبع معاوية (رضي الله عنهما)قد استطاع أن يُلجم شعوباً مختلفة المشارب والأعراق، تكثر فيها النزاعات والفتن، وأن يخضعها جميعاً تحت سلطان حُكمه كما لم يستطع أحد من قبله ولا بعده.
قال ابن عمر (رضي الله عنهما): ما رأيت بعد رسول الله (صلى الله عليه وسلم) أسود من معاوية. قيل: ولا عمر؟ قال: كان عمر خيرًا منه، وكان هو أسود من عمر
وقال قبيصة بن جابر : ما رأيت أحداً أعظم حلماً، ولا أكثر سؤددًا، ولا أبعد أناة، ولا ألين مخرجاً.
هنا تتجلى قيمة معاوية وقدرته على سيادة القوم في حقبة كانت من أحلك الحقب وأفتنها على المسلمين.

منحَ معاويةُ الحكمَ أسلوبًا جديدًا؛ فحينما يكون الإنسان مسئولاً عن مجموعة من الناس، ليس من الحكمة أن يترك لهم الحبل على الغارب، وليس من الحكمة أيضًا أن يعاملهم بما في رأسه دون اعتبارٍ بهم، فالوسط الوسط قال تبارك وتعالى ((فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر)) قال الشيخ ابن سعدي في تفسيره لهذه الآية: ” ومنها أن فيها تسميحاً لخواطرهم وإزالة لما يصير في القلوب عند الحوادث، فإن من له الأمر على الناس إذا جمع أهل الرأي والفضل، وشاورهم في حادثة من الحوادث، اطمأنت نفوسهم وأحبوه وعلموا أنه ليس يستبد عليهم، وإنما ينظر إلى المصلحة الكلية العامة للجميع، فبذلوا جهدهم ومقدورهم في طاعته لعلمهم بسعيه في مصالح العموم، بخلاف من ليس كذلك فإنهم لا يكادون يحبونه محبة صادقة ولا يطيعونه وإن أطاعوه فطاعة غير تامة “

هذه المقولة مع كونها نبراساً في أحكام السياسة فهي تدخل في كل سياسة حتى في سياسة الإنسان مع نفسه، فلو طبق الإنسان هذه القاعدة لصار من أعقل الناس، كيف لا وهو يعطي كل شيء حجمه ويتلافى عمَّا لا يستحق النظر، وهذا ما يقودني لتساؤلي (ما تكون تلك المعجزة؟!) إنها القيادة والسيادة الحقة؛ كان النبي عليه الصلاة والسلام مثالاً للقائد الناجح الذي استطاع خلال مراحل حياته قيادة الأمة لما فيه صلاحها وسعادتها في الدنيا والآخرة، وسار الصحابة ومنهم معاوية رضي الله عنهم على هديه عليه الصلاة والسلام في الحكم والسياسة، فكانوا خير قادة يخلفون نبي الله في قيادة الأمة، فشهدت عهودهم تطورات عظيمة في شكل الدولة الإسلامية من حيث التنظيم واتساع الرقعة، وزيادة الموارد المالية حتى أصبحت الدولة الإسلامية قدوةً للأمم.

يقولون إن قطيعًا من الخرافِ بقيادة أسد يهزم قطيعًا من الأسود بقيادة خروف؛ ومن هنا ندرك أن القائد العظيم لابد أن يكون (قدوة صالحة) فالقائد قدوة لرعيته، فلا يأتي من الأفعال ما ينهى الناس عنه، بل تراه أول الناس التزاماً بالمنهج الذي يأمر به.
ولابد أن يتسم بـ(العدالة والمساواة) بين الناس أي يعدل بين رعيته ومن يكون مسؤولاً عنهم، فلا يظلم أحداً أو يحابي إنسان على آخر، بل يحقق العدالة والمساواة بينهم جميعاً.
(عدم الاستئثار بالرأي) فمن صفات القائد الناجح في الإسلام أنّه لا يستأثر برأيه دون الناس، معتقداً أنّه الصواب وما دونه الباطل، مثلما فعل فرعون مع قومه حينما استخف بعقولهم.

نظرت لصديقتي التي لم تدرِ ما يعتمل بصدري من أفكارٍ ورؤى وتخوفات وتطلعات، أو ربما تكون هي الأخرى لاذت بهاتفها تطالعه كي تحافظ على الشعرة التي بيننا، كانت ترمقني بين الفينة والأخرى بنظرات لا أدري كنهها؛ هل هي حانقة أم متعجبة؟!
تمنيت أن تزول تلك الفجوة التي أحدثتها النزاعات التي لا طائل منها غير بناء السدود والحواجز، وتساءلت من جديد ( تُرى هل تحدث المعجزة؟!).

بقلم/ سومية الألفي

مراجعة وتصحيح/ سومية الألفي

عن fatima saleh

شاهد أيضاً

“صرح مصدر غير مسئول”

“صرح مصدر غير مسئول” ‏أؤمن أن الشخص المتصالح مع ذاته يمتلك القوّة لإخبار شخص آخر …

تعليق واحد

  1. مقال ممتاز لمست فيه معاناة الكثيرين في هذه الأيام 👏👏👏👏

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *