الرئيسية / اخر المقالات / لا شرف يعلو فوق شرف العسكرية !

لا شرف يعلو فوق شرف العسكرية !

 

كلمة الحق أعزُ من أن يتفوه بها جبان, وأن يناصرها خسيس, وأن يروج لها وضيع , كلمة الحق هوية الأحرار وصك خلاص العبودية, وشعاع نور داخل كهف مُظلم من خبثِ النفس وضعفها. والكلمةُ كما ذهب الشرقاوي هي (دين المرء،  شرف الرجل، قلاع شامخة يعتصم بها النُبلُ البشري)،  ولما كانت الحقيقة لا يمكن أن تكون في جانب واحد كما أكد أفلاطون؛ إنما هى تنشأ من احتكاك الأفكار. فكان لَزامًا من المنطلق الأدبي والحس الوطني أن نولد هذا الاحتكاك الفكري. إن كل من أمسك بالقلم و تعهد الكتابة و باشرها أدى قسما ولو ضمنيًا أن يكون النجم الذي به يهتدون !

 

و ما الضُبَّاطُ  في إسبانيا ؟.  قوة لا نسبة بينها و بين حاجة الأمة ولاعدد الجند. قِيل أن عدد الجند في نهاية حرب إسبانيا مع الولايات المتحدة 449 جنرالًا و578 كولونيلا و2300 ضابطًا كبيرًا, و كان تعداد الجيش في إسبانيا سنه 1906 ثمانين ألف ثلثهم ضُبَّاط ! وكان ستون في المائة من موارد الدولة تُنفق على الجيشِ! وثلاثة أخماس هذا المبلغ يُنفق على الضباط ! ناهيك عن أن القَـوَّاد يتدخلون في السياسة كلما عنت لهم مناسبة. فنشرت إحدى الصحف مقالات أغضبت القادة العسكريين فهجم جماعة من الضُبَّاط على مكتب الصحيفة؛ فدمروه تدميرًا. و لم يكتفوا بذلك بل سَنُّوا قوانين وأحكام عسكرية لكل من ينتقد الجيش ولو بكلمة. الأمر الذي دعا وزير العدل آنذاك لتقديم استقالته. أشتد سخف العسكريين حتى ضاق بهم الجميع فطالب مجلس الشيوخ مُسألتهم، حينها وقف زعيمهم المفوه الجنرال (جوليرا) فخطب يقول إنه لا يمكن محاكمة العسكري ولا حتى مسألته لأن شرف العسكري مُقدم على شرف غير العسكري. حينها نهض رئيس الوزراء (سانش جويير) فصفعة صفعتين. فنعمت الصفعة ونعم الصافع.

 

إذ كيف تسنى له أن يظن أن عمله العسكري يحول دون محاسبته ! وما حالهم عن حالنا ببعيد !

 

ولو أننا أردنا أن نستعرض أي وظيفة أرفع قدرًا وأعظم شرفًا. فليس لدينا إلا معيارًا واحدًا نحتكم إليه، وهو ما أورده غوستاف لوبون الفيلسوف الفرنسي الشهير. مفاده أننا نستقرأ التاريخ أو نفترض جدلًا أن هذه الوظيفة نُزعت من الدولة فلم تعد قائمة فيها واستشهد بمهنة الطب ذلك أنه ظل طيلة خمس قرون محرمًا باسم الكنيسة، ومجرم باسم القانون. فما زاد هذا؟!

 

هل هلكت أوروبا أو فنيت؟ والحق أن مصر عاشت نحو 20 قرن لا يُوجد بها جيش وطني منذ احتلال ششنق الليبي لأرض مصر، وكون بها أسرة فرعونية، وتبعه غزو النوب، ثم الأشوريين،  فالفرس فلحقم الروم حتى جاء المستعمر العربي، فخِلافَات الإسلام المتعددة حتى ظهرت نواة الجيش المصري منذ أقل من قرنين في عهد محمد علي باشا! فما ضاعت مصر و لا خف ذكرها إنما كانت عاصمة الثقافة العالمية. وصدت همجية أقوى الجيوش البربرية  وأشرسها من غير وجود جيش وطني .

 

و نخلص من مناظرتنا تلك إلى الإقرار بأن الوظيفة العُلْيَا التي لو نُزعت من وطن لسقط من ساعتها التعليم، الذي قال عنه الزعيم غوما في مسرحية باسمه لد.مصطفي محمود (وحده يُوجد في السَّلْمِ في كل بيت خلية ثورية للعمل والانتاج، وفي الحرب يخلق في كل بيت ثكنة عسكرية ). أو قل إنَّ الوظيفة الأشرف والأسمى هى العدالة بكل رجالها قضاة و محامون. فإذا كان بالجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله،وإذا فسدت فسد الجسد كله ألَّا وهى القلب. لم تكن تلك المناظرة محور مقالي. إنما إعادة ترتيب وتنسيق أي الوظائف _إن جاز جدلًا_ أرفع قيمة وأسمى. وأردُّ بها على الجُهَّال الذين صدعوا رؤوسنا وسخروا من سخفنا، وروجوا بيننا أكذوبة السمو العسكري! يا أمة ضحكت من جهلها الأمم.

 

وهنا نُشير لكلمة العسكر لا أعلم لماذا ينبذها رجال الجيش؟! وكل المُوالين لميولهم. مع أن كلمة العسكر هى المصدر لكل نشاطاتهم  وهم أطلقوها على كل شيء، إلا حُكًّام العسكرية, القضاء العسكري, المعسكرات، القوات المسلحة العسكرية, كبارالعسكريين ..الخ .

 

و قد أسعدتني الصدفة أن أحضر ندوة اُستضيف فيها لواء عسكري فقال بنصه (أنا لا أسمح لأي خائن يقول كلمة عسكر على الجيش).

 

أفزعني الرجل بكلمته فعمدت إليه قائلا: استرعتني كلمة خائن التي أطلقتها على الرغم من أن كلمة عسكر من موروثات ثقافتنا العربية، وهذا الجبرتي يوردها في تاريخه عجائب الأثار من التراجم  والأخبار” فلما نزل العسكر الفرنسيس شبراخيت”, وحتي لا تقول أن كلمة عسكر يُراد بها الجند المرتزقة فإن الجيش النابليوني كان أكثر جيشًا وطنيا آنذاك. ثم إنك ترفض كلمة عسكر بمدلولها الخارجي أم بتشكل حروفها (ع س ك ر ). فنخرج من جمعنا هذا فنعمد لمجمع اللغة العربية فنطالبها بمحو هذه اللفظة الشاذة القبيحة التي تُثير استهجانك. و ذكرته برائعة جورج أورويل 1984 كيف أن الدولة الشمولية المستبدة دولة الاخ الكبير حذفت كلمة سيء محته لفَظتها خارج اللغة و التاريخ . واستعاضت عنها بكلمة أقل حسن لتصبح مراتب الوصف كلها علي هيئة الحسن. فنقول شديد الحسن “حَسَن” , بعض الشيء حسن”أقل حسنًا”، إلى أخر تلك السخافة .

 

كان قساوسة  أوروبا في عصورها الوسطى المظلمة يملكون صكوك التكفير وبالطبع صكوك الهرطقة وعلي الرغم من أنه أصبح أمر حتي العوام لا يملكون إيذائه إلا الأمتعاض. على الرغم من هذا فما زال قائمًا في بلدنا. فالسلفيون والمتأسلمون  يملكون صكوك التكفير! وبالند فالعسكريون يملكون صكوك التخوين! فاحتكروا صكوك الوطنية توزع بمعرفة الحاكم العسكري وتتوقف درجة الوطنية بدرجة الانقياد الفكري والعقائدي والنفسي للحاكم!

 

وعلي هذا نَصَّ ما ذهب إليه محمد توفيق في كتابه الغباء السياسي كيف يصل الغبي إلى الحكم؟ ( أفة الرجل العسكري أنه يظن أن كل كلمة تخرج من فمه هي بمثابة أمر واجب النفاذ وأن على الجميع السمع والطاعة. وأن على من يخالفه ولا ينصاع لأوامره أن يتحمل نتيجة مُخالفته للقوانين و خروجه على القواعد العامة …. وهذا أصل الداء فالحَاكم حينما يكون عسكريا يتصرف كأنه الحاكم بأمره؛ فلا يشاور أحدًا سوى رفاق السلاح و لا يسمع من أحد إلا من يتفق مع هواه).

 

و العسكرية كما ذهب الكواكبي تفسد الأخلاق فهى تعلم الشراسة والطاعة العمياء والاتكال على الغير في التفكير والتدبير. وهى بذلك تحجب الشخصية، تحطم الملكات الفردية. فأي مؤهلات بعد هذه تؤهل الرجل العسكري لمباشرة نشاط سياسي؟! ناهيك عن إدارة دولة.

 

هو السؤال الذي طالما راود ذهني بين الحين والآخر ما هي الملكات التي تؤهل للالتحاق بالكلية الحربية. استطيع أن أتصور أن الملتحق بكلية الهندسة صاحب نوع فريد من الذكاء وهو الذكاء الرياضي. وهو أحد أنواع الذكاءات المتعارف عليها. وأن الملتحق بكلية الآداب يمتلك موهبة أدبية خاصة زَجًّالًا، شاعرًا، قصاصًا. فطرحت سؤالي لعل القارىء يجد الضالة فيهديني إليها.

 

ما الملكة التي يتميز بها الملتحق بالكلية الحربية وتؤهله على غيره؟. فالتحاقه بهذه الكلية لا يعني نبوغ عقلي ولا موهبة أدبية ولا ملكة فكرية مميزة على النحو الذي ساقه أفلاطون كشرط الحُكَّام في المدينة الفاضلة. لعلها ملكة القيادة .ولكن العقاد يؤكد أنها ملكة عامة مشتركة بين عموم الأحرار. فنحن نرى الفلاح الأجير (التملي) لا يملك كفاف يومه ويناطح العمدة المستبد مُدافعًا عن حقوق أقرانه.

 

يُروى أن زنجيا أسود غليظ الشفتين مقلوب المشفرتين أحمر الحدقتين جاحظ العينين هائل المنظر بشع الخلقة يحمل طفلا ويسير به في زقاق من أزقة بغداد وبين الحين والآخر ينظر إليه الطفل فيبكي وينتحب فيهدهده الزنجي و يُهدأ من روعه و قال له يا ولدي لا تخف أنا معك أحميك من كل شر، وأحفظك من كل سوء فما هى إلا بعض خطوات حتى يعود الطفل فيصرخ و يبكي فيقول له الزنجي لا تخف أنا معك، أزود عنك البلايا و أحفظك من الشر. فنظر إليه الصغير وقال يا سيدي ما خوفي من وحشه الطريق و لا ظلمته إنما خوفي منك أنت! وهذا هو عين حالنا مع حكومات العسكر. فالحكومات العسكرية تتذرع في بقائها بأنها تُقَّر الأمن و تدفع الإرهاب. وهل تَوَلَّد الإرهاب إلا من غشم سوء استخدامهم لأدوات العنف و الإكراه المادي, ومن الفقر والجهل والبطالة المصاحبين لفترات حكمهم. أتوا بالإرهاب نتيجة أعمالهم. ثم اتخذوا هذه النتيجة سببا لاستمرار حكمهم!

 

كانت روما القديمة أروع الأمثلة للحكومات المستندة للقانون، العاملة بأحكامه. و كان وفق قانونها إذا حدثت غارة أو شُنَّ هجوم عسكري أو نحو ذلك على أراضيها كهجمات الجرمان أو الفرس أو ثورات العبيد. استدعت قائد جيوشها ومنحته تفويضًا بإدارة الدولة لمدة محددة حتي يشل الخطر ويزيله. ولكن الدنيا لا تستقر على قرار والواضح أنه راق للقادة العسكرين تلك الحيلة، فيروجوا أن عدوا يتربص بالدولة ويريد لها الهلاك حتى إذا وصل للحكم يظل طيلت فترته حتى ولو بلغت ستون عاما يتوعد الناس و يتهددهم بهذا الخطر المحدق_الذي قد لا يكون له حقيقة إلا في مخيلته هو _.

 

زار الكاتب الياباني “نبؤكاي نوتورهار” مصر والوطن العربي، ومكث فيهم أربعين عاما. خبر فيها أوضاعهم من كل الأوجه ثم ألف مصنفه “العرب من وجة نظر يابانية”،  قال فيه أن المصريين لا يتعلمون شيئا و أنهم لو كانوا يتعلمون لعَلموا أن كل أسباب بلاء اليابان أنها اعتمدت على حكم العسكريين وأنها لم تنهض إلا بعد أزاحتهم.

 

لقنوا العوام كلمات أشباه (الحمد لله أحنا مش زي ليبيا واليمن). ولولا الجيش لصرنا مثلهم. وهل أوصل ليبيا واليمن إلى مآلهم إلا لأن حكامهم كانوا ذي خلفية شُّرطية وعسكرية .

 

صيغ الأحتلال_ بحكم دراستي أسافر كثيرا؛ فأصبحت خبيرا بالناس صنوفهم، استطيع أن استدل من مفردات الرجل و كلماته وسكاناته وحركاته على ماهية عمله. فأرافق رجلا يشيع في حواره مفردات (الأرض، المحصول، الدودة) فأجزم بأنه مزارعا. وآخر يتناول ألفاظ (المدرسة، الطابور، الحصة) فأتيقن بأنه معلم_ و سمعت العسكريين يتشدقون بعبارات (لولانا لهلكت البلد _ المدنين غير صالحين للحكم _ الشعب غير مؤهل للحكم) ربااااه . أين سمعت تلك المفردات من قبل؟

 

من قائلها ؟ هرعت إلى مكتبتي فتحت عشرات المصنفات. الآن عثرت عليها افزعتني الإجابة بل قل قتلتني. وحتى يُروعَ القارىء كما رُوعت.هي عينها الحجج التي تَذَرَّع بها الإستعمار البريطاني لدوام احتلاله لمصر و الهند. واستخدمها الإحتلال الفرنسي مع المغرب العربي. والإيطالي مع ليبيا. قال العرب البَعْرةُ تدل علي البَعِيرِ، والكلمة تدل على قائلها. فهل تكون مصر تواجه نوع جديدًا من الإحتلال؟!

 

لا سبيل إلا المباهلة. والمباهلة هى عادة قديمة إذا تنازع خصمان في مسألة و لو كانت فكرية، يجمعون الناس في حشد عظيم ثم يَتْلُون صيغ و أيمان محددة ثم يعرض كلا منهما فكرته ودعواه. ويستنزل كلا منهما على نفسه اللعنات إذا كان كذا مرجفا فلا تنقضي المباهلة حتى يسقط أحدهما ميتا في مكانه!.

 

استطيع أن استوعب البشعة والحيلة الطبية فيها، لكني أقف أعجز من الأسد في محبسه يرفقه آسريه ولا تَطَّلهم مخالبه عن فهم هذه المباهلة. فأقنعتُ نفسي جريا على عادتي حينما أعجز عن الفهم، أن السر في القوة الخفية _الحكم الذي يحكتمون له _أو في صيغ التلاعن قَسَم قِتال!

 

فلنباهل العسكريين ولنستنزل أقصى اللعنات وأغلظ العقوبات ثم نتسآل فحسب. ما الحقيقة من تشبَّث العسكر في الحكم مع هذا الفشل المتكرر، والعجز المقيم، والضعف المستديم؟. هل هى مغالبة وحدة تملك أدوات العنف والأكراه المادي؟،  فلا يترك بذلك خيارا أمام تلك الشعوب إلا أن تلجأ مُرغمة لاستراد التجربة الكوبية، ونشتري معها زورقا جديدا نبدأ به رحلتنا على غرار جرانما (زورق جيفارا). أم لم يستطع حتى الآن لضيق أفقه، وقلة ثقافته، وضحالة منطقيته أننا نسير للهاوية. وأن كل يوم يشرعون فيه بالرحيل هو خيرا من اليوم التالي .

 

قال شداد لعنترة بعد حرب داحس والغبراء حينما هزم قومه بني عبس (و يلك عنترة كر) فقال إنَّ العبد لا يحسن الكر والفر، فقال له والذي كان يرفض حتى هذا الوقت الاعتراف به. قال “كر وأنت حر”، فانتفض عنترة على أعدائه غير مبال بالموت فهزمهم ودفع العبودية عن قومه وأصبح بذلك عنترة البطل الأسطوري بدلًا من عنترة المحض عبد. فغاية مقصدي من ذلك أنه لا يَزدُ عن وطنه، أو ينتصر له، أو يضحي لأجله، أو يتعاظم به، أو يعظم له إلا الحر. فإنَّ العبد لا يُحسن الكر والفر! فلابد أن نوجه أهدافنا للتخلص من نير العبودية الذي أثقل كهولنا سبع عقود. حتى يُبنى هذا الوطن. فإن العبد لا يحسن الكر والفر.

 

و هنا يحضرني قول الشاعر: ظلم الرعية كالعقاب لجهلها … ألم المريض عقوبة الإهمال .

 

إن المعارض للحكومات الفاشستيسة الشمولية الديكتاتورية الظالمة الغاشمة مُبصِر مُتبَصر شهيد هذا الزمان و كل زمان.

 

حسين اليزيد، وزكي المنصور، وبهبوذ العباس، وباديس بنو فاطمة .

 

جميعنا يعرف الحقيقة لكن الجبان لا يجرؤ على النطق بها. ليس ألعن من الجبان، وإن الجبن في كل زمان لعنته فالجبن يقتل صاحبه قبل أن يقتل سببه …

 

 

الكتب الملهمة :

 

1-السنن النفسية لتطور الأمم                غوستاف لوبون

 

2-الحكم المطلق في القرن العشرين        عباس العقاد

 

3-طبائع الاستبداد و مصارع الاستعباد    عبد الرحمن الكواكبي

 

4-العروة الوثقي                              جمال الدين الافغاني

 

5-العرب من وجهه نظر يابانية           نبؤكاي نوتوهار

 

6-الغباء السياسي                           محمد توفيق

 

بقلم /محمود الشريف

 

عن fatima saleh

شاهد أيضاً

عليك حماية حلمك حتى بلوغه ..

  عليك حماية حلمك حتى بلوغه .. نحن معشر الشباب نعاني الكثير في هذه الفترة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *