الرئيسية / مقال / تمر الجينرالات

تمر الجينرالات


“لقد نال الأزهر من الفساد ما نالته باقي المؤسسات في مصر خلال الستين عاما الماضية”
بتلك الكلمات طوى الشيخ محمد الراوي صفحة حياته، وقال الكلمة التي عجز عن قولها جلَّ مشايخ الأزهر؛ ربما خوفا من تنكيل العسكر بهم، وبحياتهم.
عمره يجاوز الألف عام، وأروقته حاضرة في كل زمان، لكنه لم يعد بقوة الأمس، وصحوة الماضي، تكالبت عليه السلطات لتطفىء نوره، وتمحو رسالته، وتغير من مكانته. لماذا سعت السلطات الحاكمة مصر على مدى مايجاوز الستين عاما تهميش الأزهر في كل جوانب الحياة، الفكرية والسياسية، تعددت الأقوال منها ماينفي الكلام ومنها مايؤكده، ولكن الشيء الوحيد الذي يمكن أن نستشف منه الحقيقة هو التاريخ؛ لذلك علينا أن نبحر فيه علنا نصل إلى شيء جديد.
تبدأ رحلة الأزهر في عصر الدولة الفاطمية، حيث قام جوهر الصقيلي ببناءه قبل دخول المعز لدين الله الفاطمي القاهرة، كان الغرض الأول منه هو تقوية دعائم ملكهم في مصر، ونشر المذهب الشيعي الإسماعيلي، لذلك كان يردد فيه الأذان بالصيغة الشيعية، وكانت أول حلقة من حلقات العلم التي أُقيمت به كانت في عام 365هـ في فقه المذهب الشيعي الإسماعيلي، وقد ساعد في ترسيخ قواعد الدولة ومذهبها الشيعي.
لم يستمر الأزهر منارة للحكم الشيعي كثيرا، حيث أوقف صلاح الدين الأيوبي ودولة الأيوبين هذا المد الشيعي، ولكي يطمأن إلى استئصال جذوره أصدر فتوه من المذهب الشافعي بغلق الأزهر، واستمر غلقه ما يناهز القرن حتى سطع نوره من جديد على يد الأمير عز الدين أيدمر وقام بترميمه وأُقيمت الصلاة به على المذهب االسني.
ظل الأزهر بعد ذلك يقوم بدوره الرائد في نشر العلم والمعرفة، والوقوف في وجه الظلم والفساد، ويضرب بعصى من حديد من أنحرف من الحكام عن طريق الصواب. ولم يتوقف هذا الدور أثناء الأحتلال الفرنسي لمصر؛ بل وعت سلطة الأحتلال لأهمية كلمته وتأثيرها في الجموع لذلك حرص الأحتلال علي تقيد تلك الكلمة، واستغلال مكانته عند المصريين لبسط نفوذهم، ولكن كل مساعيه توجت بالفشل.
وفي مصر الحديثة أدرك محمد علي مكانة الأزهر سواء في نفوس المصريين أو سطوة كلمته في وجه الحق؛ لذلك تجاهل الأزهر بكل مؤسساته، واتجهه إلي التعليم الميداني، ليرسخ قواعد ملكه الجديد.
مواقف الأزهر للوقوف في وجه الظلم كثيرة وأن ذهبنا في إحصائها لن تكفي المقالات لذلك، ولكن يكفي الإشارة إلى بعض منها:
ففي أثناء الحرب العالمية الثانية، رفض شيخ الأزهر محمد المراغي مشاركة مصر في الحرب العالمية الثانية ورفض تأيدها، معلنا أم مصر لا ناقة لها ولا جمل في هذه الحرب. مما أغضب الحكومة الإنجليزية وطالبت من الحكومة المصرية إصداربيان حول موقف المراغي، وكان رد المراغي على رئيس الوزراء المصري آنذاك حسين سري ” أتهدد شيخ الأزهر؟!، وشيخ الأزهر أقوي بمركزه ونفوذه بين المسلمين من رئيس الحكومة، لو شئتُ لارتقيتُ منبر المسجد وأثرت عليك الرأى العام.”
ومما يدل علي قوة شيوخ الأزهر كذلك واستقلاليتهم عن باقي مؤسسات الدولة ما حدث مع الشيخ عبد القادرعليش حيث كان جالسا يوما بين طلابه يلقي عليهم درسه، وهو ممدد قدمه، ويمر الخديوي عباس فلا يعتدل ولا يقوم من مكانه، فيرسل الآخر له هدية فيعيدها قائلا “من مد قدمه لا يمد يده”.
ومما ساعد على قوة كلمة الأزهر ووقوفه شوكة في حلق كل ظالم، استقلاله عن باقي مؤسسات الدولة وعدم سيطرة الدولة من أي جهة عليه سواء سياسية أو مالية أو إدارية، وكان يتم تعين شيخ الأزهر بالإنتخاب فيما بيهم دون تدخل الدولة.
لذلك أدركت الحكومات بعد ثورة يوليو مدى استقلاليته وسيطرته؛ فحاولت إصدار القوانين والتشريعات التي تحد من مكانته وسطوته وكان أولها قانون تأميم ممتلاكات الأزهر 1952م، والذي نص بإلغاء الوقف الأهلي و وضعه تحت سلطة وزارة الأوقاف.
تتابعت القرارات بعد ذلك فأصدرجمال قانون تنظيم الأزهر رقم 103 حدد فيه ” يتم تعين شيخ الأزهر من قبل رئيس الدولة”
لقد أدركت الحكومات المتتابعة أهمية الأزهر ومكانته؛ لذلك سعت للسيطرة عليه بكل الطرق وكما يقال ” من أكل تمري صار تحت أمري”.
هكذا ضاعت مكانة الأزهر ولم يبقى له سوى تنفيذ ما يطلبه منه جينرالات الحكام، لا يتفوه إلا بما يرضون، ولا يشهرون سيف الكلمة في وجه من يحبون، صار شيوخ الأزهر لعبة في يد الحكام، عرائس ماريونت توجها الحكام أينما وكيفما شاءت، وربما النهضة التي ننتظر حدوثها في مصر لا تقوم سوى بنهضة الأزهر أولًا، فهل يدرك شيوخ الأزهر ما آلوا إليه، وهل يفطنوا إلى خطورة كلمتهم فيهبوا لإنقاذ الأمة مما هى فيه؟!.
لا أظن أن هذا على وشك الحدوث فما زالت البطون لم تمتلئ من تمر الجينرالات.

 

كتبت: شيماء أحمد

عن fatima saleh

شاهد أيضاً

“صرح مصدر غير مسئول”

“صرح مصدر غير مسئول” ‏أؤمن أن الشخص المتصالح مع ذاته يمتلك القوّة لإخبار شخص آخر …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *