الرئيسية / مقال / المحاكاة في زمن البلهاء

المحاكاة في زمن البلهاء

إذا أمعنت النظر جيدا ؛فسترى أن العالم قد تجذر من حولك ،فقط لمسايرة العصر الحديث بكل تفاصيله المزعومة ،و الباهتة نرى من قد غير من جلده ليسير مع التيار حتى إنجرف بعيدا ليجد نفسه على حافة الهاوية مع نظائره المغيبين. إذا سألتني شخصيا عن ماهية التغيير ؛فسأجيب بأن التغيير ما هو إلا تطوير في خصائلنا و عاداتنا اليومية ،أو تبديل مصطلح خاطئ بآخر أكثر صلاحا منه ،أو كل ما له علاقة بالتباديل، و التطورات السطحية الطفيفة في شخصيتنا المكتسبة. فقط لكي نتعايش مع المجتمع المحيط . من المسلم به أن التغيير هو فطرة بشرية ولدت مع أول صرخة صدرت منا ،لا بل هي خلقت بداخلنا من قبل تخليقنا داخل رحم أمهاتنا ،و لكن ماذا إذا تحول التغيير من تطوير إلى محاكاة ؟ و ماذا إن كانت تلك المحاكاة إعتباطية بدون دراسة واعية لنتائجها الحتمية ، نظل نحاكي و نحاكي كل ما نراه حتى نجد أنفسنا في قالب حجمه غير متناسق مع أحجامنا الإنسانية المعهودة ،و طابعه غير طابعنا البشري المتعارف عليه ، حتى يضيق بنا ذراعا ؛فنجده قد إمتزج بنا و إمتزجنا به ،و عندما نستيقظ من غفلتنا يكون قد فات الأوان ،و أصبحنا سجناء لذلك القالب ،حتى و إن كنا طلقاء. تبدأ المحاكاة عندما تريد أن تغير من نفسك بدون معرفة السبب أو النتيجة لذلك التغيير المفاجئ ،فقط لتصبح أكثر عصريه كالأخرين ،فتنقلب عليك اللعبة حتى تغير من نفسك ،و معتقداتك التي ترسخت فيك منذ صغرك ؛فتتغير مبادئك و من ثم تغير من جلدك ،حتى تكتسب جلدا آخر لا يناسبك ،كل ذلك يأتي تباعا ،و من الوارد أيضا أن ينتهي بك الحال لتغير عقيدتك ؛لأنك تحاكي فقط دون البحث عن الأسباب ،أو التفكير في النتائج لتلك المحاكاة ،فقط لنصبح كالبقية ،لا يهم إذا كان ذلك مجدي أم لا المهم أن لا نكون مختلفين ،حتى لا نصبح في نظر العصريين ((دقه قديمة))، مع أننا قد نسينا قاعدة مهمة جدا ،و هي أن الإختلاف ليس بالضرورة أن يكن منفرا ،و التماثل في أغلب الأحيان يكن مملا و مألوفا ،و أن الشيء المختلف فريد من نوعه ، و ثمين في نظر أصحاب الأذواق الرفيعة. نقلد لنواكب ،و نحاكي لنظهر بصيحة أكثر عصريه ،حتى و إن كان ذلك على حساب مبادئنا. إذا كنت منهم عزيزي القارئ ؛فيجب عليك أن تعيد حساباتك ،و تفكر قليلا لما ذلك التطور المفاجئ . هل هو من محض التجربة ليس إلا ! ،أم أنك فعلا تحاكي لتمتزج مع الأخرين في عصريتهم ! ،مهما تكن إجابتك ،إعلم أنك على صواب إذا كانت كلمتك تخرج من ضميرك الإنساني ،بعد إمعان النظر في الأسباب و النتائج ،و أعلم أيضا أن الشيء المدروس بعناية ، تقل نسبة أخطاءه المطلقة ،فقط تأكد من تلك الدراسة ،و أعد ترتيب فرضياتك ،لكي تتجنب العواقب. إرسم طريقك بقلمك أنت ،و لا تجعل من المحاكاة منهجا لك ، حتى لا تتعثر أقدامك فتجد نفسك مغيبا كباقي البلهاء ،و ينتهي بك الحال إلى الهاوية.

بقلم ..اسماء خلف عبد الهادي

عن fatima saleh

شاهد أيضاً

“صرح مصدر غير مسئول”

“صرح مصدر غير مسئول” ‏أؤمن أن الشخص المتصالح مع ذاته يمتلك القوّة لإخبار شخص آخر …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *