الرئيسية / مقال / الخيال

الخيال

 هو ليل الحياة الجميل، هو حصننا وملاذنا من قسوة النهار الطويل. إن عالم “الواقع” لا يكفى وحده لحياة البشر؛ إنه أضيق من أن يتسع لحياة إنسانية كاملة. قالها “توفيق الحكيم” رائد الأدب المسرحي في روايته (عصفور من الشرق) ، و هي تلخص فكر و كتابات الحكيم. إنه الخيال الخصب و الأفكار المختلفة التي لم تأتِ ببال أي من كتاب عصره، حيث مزج بين الخيال و العمق بدون تعقيد حتى يصل المعنى للقارئ بوضوح دون غموض، و بالرغم من كونه تخصص في كتابة المسرح إلا أنه لم يتم تنفيذ العديد منها على خشبة المسرح حيث سمي تياره (بالمسرح الذهني) لصعوبة تجسيدها على خشبة المسرح حيث قال في إحدى اللقاءات الصحفية “إني اليوم أقيم مسرحي داخل الذهن وأجعل الممثلين أفكاراً تتحرك في المطلق من المعاني مرتدية أثواب الرموز لهذا إتسعت الهوة بيني وبين خشبة المسرح ولم أجد قنطرة تنقل مثل هذه الأعمال إلى الناس غير المطبعة.” تميز الحكيم في أعماله بأنها مستمدة من التراث سواء كان فرعوني أو قبطي أو روماني أو إسلامي، و كان أول من كتب مسرحية عربية ناضجة بالمعيار النقدي الحديث و هي مسرحية (أهل الكهف)، كما كان أول من كتب أيضاً أول رواية بالمعني المفهوم للرواية و كانت رواية (عودة الروح) و نشرتا عام 1923م ليبدأ أولى خطواته كأديب كبير . ولد الحكيم في الأسكندرية في عام 1898م لأب ريفي من أثرياء الفلاحين و أم تركية أرستقراطية كانت تقصد عزله و إبعاده عن أهل والده الفلاحين و ذلك ما جعله يتجه لعالمه العقلي الداخلي، و إنتقل إلى القاهرة لإتمام دراسته الثانوية ثم إلتحق بكلية الحقوق ليعمل بعدها محاميا ثم إستطاع بنفوذ والده الإلتحاق ببعثة إلى باريس لإستكمال دراسته و الحصول على الدكتوراه و هناك أثقل ثقافته كثيراً حيث حضر المسرح الغربي و إطلع علي الأدب العالمي. و إنصرف عن دراسة الحقوق و إتجه إلى الأدب و المسرح و إستمر بإبداعاته إلى أن توفي في القاهرة عام 1987م عن عمر يناهز 88 عام، ليترك لنا خلفه عالماً متنوعاً حافلاً بالروايات و المسرحيات و المجموعات القصصية التي أبرزها (عودة الروح، أرني الشرق، حمار الحكيم، يوميات نائب في الأرياف، الرباط المقدس، براكسا، أهل الشرق، شهر زاد، و مصير صرصار و الكثير من الإبداعات). أما عن مواقفه السياسية فقد شارك في مظاهرات ثورة 1919م حين كان طالباً في كلية الحقوق، و تم سجنه، و من ثم إستطاع والده نقله إلى المستشفى العسكري ثم الإفراج عنه، أما عن ثورة يوليو فقد إعتبر عبد الناصر رواية (عودة الروح) بمثابة شعلة و تنبؤ بالبطل المنقذ الذي يحي الأمة من رقادها، و علاقته بعبد الناصر كانت جيدة إلى حد كبير رغم إتجاه الحكيم بعد فترة إلى مهاجمة النظام و المطالبة بالديمقراطية، ثم تحول بعد وفاة عبد الناصر إلى مهاجمته أشد هجوم و أصدر كتابه (عودة الوعي) حيث وصف مرحلة الثورة أن الشعب كان في حالة فقدان الوعي و أنه نادم على مسيرته خلف الثورة بدون وعي . رحل الحكيم بعد أن حصد جوائز عديدة أبرزها قلادة الجمهورية، و جائزة الدولة في (الآداب، و قلادة النيل، و الدكتوراه الفخرية من أكاديمية الفنون). عالم توفيق الحكيم ملئ بالخيال و التراث و العبقرية و الفلسفة …
عالم إن لم تكن أبحرت بداخله حتي الأن فأنت مازلت على شاطئ الأدب..لم تبتل قدماك من مياه بحره بعد !
بقلم ..مصطفى شكري

عن fatima saleh

شاهد أيضاً

“صرح مصدر غير مسئول”

“صرح مصدر غير مسئول” ‏أؤمن أن الشخص المتصالح مع ذاته يمتلك القوّة لإخبار شخص آخر …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *