الرئيسية / قصص قصيرة / قصص / وماذا بعد ..؟

وماذا بعد ..؟

 

حين تتزاحم الأحرف وكأنها غصص تتراكم بعضها فوق بعض، تشيد سدًا منيعًا يحجب عنك سنا الأمل المتجلي في الأفلاك يراودك على استحياء بينما أنت مستلقيا على الأرض تتوسد خيبات الزمان، متواريًا خلف ظلال الصمت ..

 

حين ظهيرة محرقة جمعتنا قارعةُ طريقٍ واحدة،

كلانا يبغي البيع، رغم  كون بضاعتنا لاذعة وأحيانًا يشوبها طعم المرار، إلا أنَّه كنا نطمع أن يأتينا من يشتري منَّا،

بدأ صاحبي ينادي على بضاعته، كان حقًا بائعًا ماهرًا، يُحسن نظم الكلام، فيجيد تزيينها؛ ليحث العابرين على الإقبال عليها رغم غلافها الجاف الذي بُهت لونه ومال إلى الصفرة بفعل وهج أشعة الشمس الذي تضاعف في هذا اليوم، ويكأنه يختبر قوة تحملنا على مواصلة البيع في ظل حرارته المرتفعة، ثم صوب بصره نحوي مشيرًا إليَّ حتى أُخرج من كيسي البضاعة خاصتي، ومن ثَمَّ أحذو حذوه في النداء إلا أنه شُده حين رأي دفترًا وقلمًا رصاصًا،أُخرجهما لأضعهما أمامي على عربة البيع ..

بنظرات مريبة وشفاه مزمومة استنكر عليَّ أمري قائلًا:

-أهذه بضاعتك؟ نحن على قارعة طريق ولسنا بمدرسة لتعليم الصغار!

فأجبته وأنا أحدق باللاشئ

-وهل ببلادنا مدارس تبيع؟ هم فقط يشترون، ويشترون بأبخس الأثمان عقولًا هم فيها من الزاهدين، أوما سمعت عن ……

قاطعني قائلًا : كفاكِ يا فتاة فأنا لا أفهم مما تقولين شيئًا، دعيني وشأني علَّ يأتيني من يشتري ..

أظلتني غاشيةٌ من صمت واكتفيت بنظرة يحدوها ضباب الماضي؛ فخرجت رؤيا عيني مشوشة، ثم تابع هو النداء،

– من يشتري سبعًا بعشرٍ وأزيده واحدة؟؟

من أمامنا مر أناس كثر، بعضهم ينظر إليَّ في عجب ،والبعض الآخر ينظارونني بابتسام أنيس ظننًا منهم أني ابنة صاحبي، وقد أتي بي معه فيشفقون عليه ويشترون منه..

مكثتُ على حالتي طيلة اليوم لا جديد يشملني بطلته؛ سوى أني أكتب فوق الأوراق ثم أنزعها من الدفتر وأصنع منها قراطيسًا وأضعها على العربة..

بدنو المغيب كان صاحبي قد باع جُلَّ بضاعته، ولم يتبقَّ منها إلا القليل، فلملمه على عجلة من أمره وهمَّ بالرحيل، بينما هو يدير ظهره لي ليسلك طريق عودته إلى بيته، اعتراه شعور الشفقة علي وأضناه عوزي فرق لحالي وأعطاني بعض حبات من بضاعته ونذرًا يسيرًا من مكسبه -يبدو أنه ظن أن بي مسٍّا من جنون -هكذا أفصحت لي نظراته..

مشى ومشيت، سلكت الطريق تحملني قدماي إلى بيت سمته الوحده، لا أنيس ولا ونيس سوى الأوراق، وأحلام غابرة ذهبت أدراج الرياح، مخلفة وراءها آلام لا تيأس من إيجاعي كل دقيقة تمر وكأنها انتقتني من بين العالمين لأكون موطنها،

استلقيت على فراشي بعدما هممت بتناول الحبات التي أعطاني إياها صاحبي لكني لم أستطع تذوقها، فالجوع الحسي  الذي يصيب البطون لم يعد يأتيني، فلقد تحول إلى نوع آخر من جوع المشاعر إلى الأحبة الآفلين، احتضنت أوراقي وقلمي وهاوشتها بما في قلبي،أناملي عجزت أن تخط بها حرفا واحدا، ظللت على حالتي هذه حتي داهمتني كتائب النوم تحملني على الوقوع فيه دون إرادة مني،

قضيت الليلة تحملني أمواج الكوابيس الهادرة بين شطآن التخبط والتيه، أيقظني صوت الديك معلنا انبلاج صبح جديد من عتمة ليل أصبت فيه بآلام رأس قوية تكاد تفتك بي، حاولت أن أسترخي دون تفكير بأي شئ إلا أن صورة صاحبي قفزت إلى مخيلتي فجأة وتذكرت جهورية صوته في النداء والتي لربما يتضاعف بسببها الصداع برأسي اليوم كما أني ظننته توقع عدم مجيئى ثانية إثر ما رآه مني أمس، ولكن لا بأس سأفاجئه بسبقي له هذه المرة،

 

قدمت مبكرةً بعدما تناولت بعض المسكنات وأنا في طريقي بعدما ابتعتها من إحدى الصيدليات، لتقضي على وجع رأسي وصلت حيث كنا بالأمس نقف ورصصت بضاعتي على العربة، أما هو فقد قدم بعدي بوقت يسير ففعل مثلما فعل البارحة، بيد أنه أشار علي بأخذ قراطيسي ليضع بها بضاعته ويبيعها ويعطيني نظير ذلك جزءًا من النقود،

وافقتُ وأعطيته قراطيس الأمس وما صنعته اليوم.

 

 مرَّ بنا رجل أشيب، تبدو عليه أمارات الحزن والوهن، اشترى من صاحبي عددًا من القراطيس، ومع كر الأيام عاودنا مرات ومرات يبتاع من صاحبي ما يريده ويضعه بقراطيسي ويمضي مودعا إياي بنظرات كنت أتلصصها دون أن يشعر، أوقن أنها  كانت تحمل بين أروقتها أحاديث مطولة وحكايات كثيرة بيد أني لا أعرف لم كان يقضي حاجته في صمت ويبتعد في سرعة، فتردده كان قادرا على خلق ألفة بيننا تسمح بتبادل الحوار لكنه لم يفعل!!

لا أخفي أني تعلقت به تعلق التائه بأمل العودة إلى طريق الحق، تعلق الرضيع بريح أمه التي تفوح من بعيد، فيزيد من حدة بكائه اشتياقا إليها، لتلقمه ثديها بحليب يقطر حنانا وود، تعلق السجين بحلم الحرية،كل هذا وأكثر من مشاعر اختلجتني دون إدراك لأوقات مداهمتها إياي.

 

ذات صباح أتي الأشيب ووقف يحادث صاحبي بصوت خفيض فسأله  عمَّن يكتب الكلمات التي خُطت على جبين القراطيس التي يضع فيها بضاعته؟ 

فأشار إليَّ وقصَّ له ما كان من أمري، فاستدار نحوي بنظرات باسمًة يلفها الحنين، وأنا أود أن أقفز من مكاني أعانقه وأطفأ اشتياق التعلق الذي غزا روحي، لكن حيائي زجرني وألجم مشاعري، أما هو فقد مسح براحة يديه المرتعشه قطرة ندية فرت حين ضعف تغشاه أمامي  وبدأ يسرد علي ما كتبته أنا في القراطيس

*اُحتلت القدس وهُجِّر أهلها قسرًا .. فماذا بعد؟ 

* اُحتل العراق واليوم تستباح دماء السنة على أراضيه ..فماذا بعد؟

*اُضطهد المسلمين في بورما واليوم يبادون عن بكرة أبيهم .. فماذا بعد؟

*أديرت رحى الحرب في سوريا واليوم خُضب كل شبر فيها بدماء الفانين.. فماذا بعد؟

*أديرت رحى الحرب في اليمن واليوم مجاعات وأوبئة وأمراض تستشري بكل زقاق فيها.. فماذا بعد؟

*سجن أبي ولاقى ما لاقى حتى الموت واليوم مشردةٌ أنا …فماذا بعد؟

*اليوم، أوصدت أبواب المسجد الأقصى بوجه المصلين، ورفع العلم اليهودي على القبة، فماذا بعد؟

 

رفع بصره نحوي، فالتقت أدمعنا في صمت يعج بالألم، وهذه المرة جرى الدمع يشق جلمود الوجوم المحتل ساحة وجهه يسرد علي ما كان من وجع دامٍ، قائلا:

– بنيتي!

– قُتل أولادي بغيًا وعدوانًا، فلم أحتمل فراقهم، وأصبت بالأسقام من بعدهم، أتعلمين؟ كانوا يَهْوون أكل ” الحرنكش”، فكنت أشتريه لهم دائمًا في طفولتهم، والآن آتي لأبتاعه بعد رحيلهم، رغم كونه لاذع ويشوبه المرار بالأغلب هذا على ما أذكر يا بنيتي، حينما كنت آكله معهم، فأضحك، وأتعجب من حبهم لهذه الثمرة اللاذعة، وتهافتهم عليها.

تنهد وهو يحاول كبح جماح الألم الساكن كلماته المختنقة ليكمل بوحه الشجي الذي أخذني إلى عوالم الظلم والبغي، ألعن كل من فيها إنس كان أو حيوان، فتابع هو:

 – لقد تجرعت كؤوسا مترعة بالمرار بالقدر الذي يكفيني حتى الموت؛ فلا أشعر بطعم الثمرة اللاذع ومرارتها، يكفيني أنني حين أطعمها، أذكر مجالستي إياهم حينما كانوا صغارًا نلهو ونلعب لا يعنينا من الدنيا أمرا.

 

صمت هنيهة، ثم سألني ورقةً وقلمًا، خط كلامًا لم أستبن كنهه من حركة يديه أثناء الكتابة، ثم أعطاني الورقة بعد أن أحالها قرطاسًا مثلما أفعل ورحل عني بعدما وعدني أن يأتيني كل إشراقة شمس، يطالعني ثم يغدو هذا إن كُتب له عمر في صحائف الأحياء، هكذا اختتم حواره معي،

فتحت فور مغادرته؛ لأقرأ:

“تآكل الدين وضيعت الأمانة، وَوُسِّد الأمر إلى الحسالة، وتفوح رائحة الخزي من سلاطين العمالة، لا تكتبي بنيتي على جبين القراطيس؛ فإنها تئن من قيظ الحروف المنقوشة عليها برصاص العجز، فقط التزمي الصمت و انتظري الساعة، هذا هو فماذا بعد؟!”

بعد كلماته هذه عزمت على ترك القراطيس فارغة دون أحرف؛ ليستخدمها صاحبي دون كتابة، انتظرته في الصباح؛ لأبلغه بقراري، فلم يأتِ هو ولا صاحبي، وبقيت وحيدة على رصيف الانتظار، مر صباح، اثنان، ثلاث، أربع، مضت عقود وأزمان، ولم ألتقهما مجددا، عدلت عن قراري بعدم الكتابة إلى تدوين جملة واحدة بكافة القراطيس التي صنعتها طيلة حياتي ألا وهي وماذا بعد؟؟

…..تمت……..

عزيزي الشيخ الغائب، أراني الليلة أجحفت بحق نهاية قصتي السالفة، واختتمتها بكلمات كاذبة، فلم تمض العقود ولا الأزمان، لم يمضِ سوى ثلاث شهور فقط، وأتانا الجواب على السؤال، لأضيف مشهدا جديدا لما أسلفت من مشاهد فوق جبين القراطيس.

 

*الليلة يا عزيزي،  أعلن ذاك الأخرق أن القدس عاصمة الكيان الصهيوني، وعروبتنا المتخمة من الخنوع تغط في نوم عميق، لم تستيقظ على صوت الحاخام يؤدي صلاة الجبروت، وذلك حسب التوقيت الصهيو أمريكي للتواطؤ.

 

صدقني ما عدت أدري أأخط في القراطيس وماذا بعد؟! أستحي خجلا من أعين الصغار حين يسألونني يوما عما خط قلمي عن  قدسهم، فلا أجد جوابًا سوى أن أخبرهم بأني سكبت حبر العروبة الأسود فوق جبين الكرامة المهدرة بمدائن العروش الداعرة.

سأكتب يا عزيزي، سأكتب.

ولم تتم القصة بعد…

بقلم / نهلة الهبيان

عن fatima saleh

شاهد أيضاً

قصة (مصارعة الأمواج)

إنها الخامسة صباحًا، حين دق منبهى بلا هواده معلنًا بدء يوم جديد لا أذكر حقًا …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *