الرئيسية / غير مصنف / دفترالأكاذيب

دفترالأكاذيب

 

جلست ” دعاء ” بين أُناس لا تعرف أيًّا منهم، في حين يقبع أقرب الناس إليها خلف تلك القضبان الحديدية، لم يسعفها عقلها في استيعاب هذا الموقف، فما الذي آل بِقُرَّة عينها هذا المآل؟
ما الذي أودى بالشريف ( اسما وخُلُقًا ) هذا المصير؟
جعلت تتساءل بينها وبين نفسها، شاردةً، غير عابئةٍ بمَنْ حولها، معلق ناظريها بأبيها الذي لم يغادر بصره وجهها مُذْ زُجَّ به في هذا الركن المَقيت.
لم يخرجهما من حالة الشرود تلك إلا صوت الحاجب ناطقًا باسمه ” شريف “، مناديًّا على قضيته.
ظلت تنقل مقلتيها بين الحضور الذين تكلموا كلامًا كثيرا لم تَعِ منه حرفا، إلى أن جاءت لحظة النطق بالحكم، فانطلقت من بين الحضور كرصاصةٍ استقرت أمام المنصَّة، حاملةً بين يديها أوراقا، سقطت منها وهي تتشبث بها، متوسلةً إلى القاضي بنبرة تفوح منها الغُصَّة:
– يا سيادة القاضي، أرجوك اسمعني قبل أن تصدر الحكم على أبي.
لم يجد القاضي من بين دموعها وتوسلاتها بُدًّا من الاستماع لها.
ازدردت ريقها، والتقطت أنفاسها، وأشارت إلى مَنْ يقبع خلف القضبان، قائلةً:
– لم يعد لي غيره بعد وفاة والدتي تحت أنقاض بيت متهالك كنا نستأجره، حملني بين ذراعيه ولم أكمل أعوامي الخمس آنذاك، وراح يستدرُّ عطف أقاربه الذين أوصدوا باب الرحمة في وجهه، لم يكن يطمع سوى في مكان يؤويني إلى أن يدبر الله أمرنا، كان موظفًا شريفًا يعمل في إحدى الشركات الخاصة إلى أن تم الاستغناء عنه كغيره من الموظفين؛ لتقليل الأيدي العاملة، وبالتالي التخلص من عبء رواتبهم، وكان هذا درْب معظم أصحاب الشركات، وبعد البحث المُضْني عن وظيفةٍ تتناسب ووضعه الاجتماعي والذي باء بالفشل، قرر تناسي مؤهله الجامعي وممارسة أي عمل شريف يؤمن لي العيش الكريم، وبالفعل، قام ببيع الخضروات تارةً، وتارةً عمل في أحد المحال التجارية، كما تدرَّب على أعمال البناء ودهانات الجدران، واشتغل بهما، ولم يجد غضاضة في أن يكون حمَّالًا ينقل للناس حاجياتهم مقابل مبالغ لم يدخر منها لنفسه شيئًا، فقد كانت أقصى طموحاته أن يُسَلِّحني بالتعليم والشهادات التي تدرأ عني المعاناة، وتزود عني سهام الحياة.
بالفعل تفوقت في دراستي، وكنت أميرةً ليس عليها سوى أن تأمر لتُطاع، لم يحرمني شيئًا، ولم يَشْكُ فقرًا أبدًا، بل كان يدَّعي أمامي الغِنَى والكَفاف دومًا.
مرَّت الأعوام ومَنَّ الله عليه، وتمكَّن من توفير مبلغ يكفي لمقدَّم سيارة متواضعة؛ لتحقيق حلمه الذي طالما راوده ليعمل سائقًا لحساب نفسه؛ متخلِّصًا من ذُلِّ وتحكُّم مَنْ كان يعمل لديهم، باعتبارهم أصحاب المال.
كذب أبي عليَّ، وأوهمني أنه انتهى من سداد جميع أقساط السيارة، وأضاف إلى دفتر كذباته أخرى، وعزاؤه في ذلك ألا يُحمِّلني همَّه، فيكفي أنني حرمت حنان أمي وترعرعت لطيمةً.
كان يصل الليل بالنهار عملًا على سيارته، التي حَفَرَ مِقْودها جِداريةً له على صدره؛ لطول احتضانه له.
وأخيرًا، جاء اليوم الذي طال انتظارنا له، وحملت شهادتي الجامعية بين يدي، وأهديتها لأبي الذي اعتبرها وسام شرف له، ومكافأةً من الحياة له على كَدِّه، وتعبه ومعاناته وحرمانه وسُهْدِه.
وكانت بالنسبة لي بطاقة مرور وعبور لدهاليز الحياة، وامتيازا يلحقني بسوق العمل، لكن هيهات، فكَمِ من أحذيةٍ ذابت نعالها في رحلة البحث عن عمل ما بين القطاع العام والخاص! ولم أجدني في النهاية سوى عاملة بمكتبةٍ لتصوير الأوراق، وبيع الملازم للطلبة الذين لم تُكَشِّر لهم الحياة بعْدُ عن أنيابها، وكان المقابل بضع جنيهات، أخجل أن أعطيها لهذا الرجل الكادح ليل نهار؛ من أجل ألا يُشْعرني بأن هناك ما ينقصني.
مرَّتْ الأعوام بي، ولأنني لا أملك من المقومات ما يجذب الخُطَّاب لي سوى شكل تضيع محاسنه أمام سطْوة الفقر، وتندثر ملامحه مع كل خَطٍّ يخطُّه الزمان فوقه، فلَم يتقدم لي سوى كبار السن أو المتزوجون الذين كنت أرفضهم بالطبع، لأنني أرى أنني أستحق الأفضل.
إلى أن تقدَّم ” وائل ” الذي كان من وجهة نظر أبي، العريس المنتظر، فوافق على الفور، وكأنه خشي أن يتراجع هو، فيفوتني القطار بلا رجعة، وقد كان لا يطمح سوى في أن يطمئن عليَّ في كَنَف رجل أمين، وقد وجد في وائل جُلَّ ما كان يرغب.
تمت الزيجة سريعًا، ولم يُمْهلني أبي فرصة نقاشه، أو سؤاله من أين له بكل هذه المبالغ التي ينفق؟ ومن أين له بهذا الجهاز الذي ما ارْتَقَتْ أحلامي إلى تخيله؟
لكن بعد مرور شهور على زواجي، وجدت مَنْ يدُقُّ بابي؛ يطالبني بسداد ديون أبي، كادت المفاجأة أن تطرحني أرضًا، خاصةً بعدما علمت مجموع الديون؛ اقترض أبي من جميع أصحابه وجيرانه، واشترى جهازي بنظام التقسيط، مُوقِّعًا على العديد من الشيكات، وما زاد الطين بِلَّةً، أنه باع سيارته؛ ليسدد بعضها، ولم يعد له حتى مصدر دخْلٍ يؤمن له قوت يومه.
لجأت إلى زوجي الشهم؛ ليساعد أبي ولو بالقليل، لكنه اتهمني وأبي بالطمع في أمواله، والنصب عليه؛ كي يتولى مهمة الإنفاق علينا، فلم أتمالك نفسي، وثُرْتُ لكرامة أبي التي لن أسمح لقَدَمٍ أن تطأها، ولا حتى إصْبع يلوِّح لها بسوء، فما كان منه إلا أن أمعن في إثبات دناءته، وتخلِّيه عني، وطلقني.
لم أندم عليه لحظةً، ولم يهتز لي طرف، وقمت بإرجاع الأجهزة التي كانت ما زالت جديدة لأصحابها مقابل بعض الشيكات، لكن بقي الكثير منها، عدت إلى المكتبة؛ كي نجد ما يسدُّ رَمَقَنَا، وأخذت صحة أبي في التدهور، فلم يعد قادرا حتى على السعي كما كان.
وكنت كلما نظرت إليه وجدت الدموع تنسكب من مقلتيه، كنت أحتضنه مشفقةً عليه، أعزِّي حاله وحالي، وأشكر الله على المُصاب وأدعوه أن يعوضنا خيرًا في الآخرة.
ثم شهقت، وانحنت لتلتقط أوراقها التي كانت قد سقطت من بين يديها منذ قليل، ولوحت بها للقاضي، وقالت متلعثمةً من بين دموعها:
-اتركوه؛ ليقضي أيامه الباقية مطمئنًّا بين أحضاني، كريمًا عزيزًا كما عاش طيلة حياته، وارحموا عزيز قوم كنتم سبب ذُلِّه، هذه التحاليل والأشعات التي كان يخفيها عني والتي وجدتها مصادفةً، واكتشفت أن أبي يعاني مشاكل صحية منذ سنوات ولم يجد لنفسه ما يعالج به نفسه، فتدهورت صحته، وساءت حالته، وكشف آخر تشخيص للأطباء فوات أوان علاجه، ولا أمل في شفائه.
ثم استطردت منتحبةً:
– كانت هذه آخر كذبةٍ في دفتر أكاذيبه علي؛ لأنني لن أسمح له بذلك ثانيةً، اسمحوا لي أن أتمرَّغ في ثرى قدميه؛ معوضةً إياه عن سنواته العجاف، معتذرةً له بكل سبيل عن خطأي في حقه، أما ذنبكم في حقنا كمجتمع جشع، آثِم، طماع، أناني، فلن أسامحكم فيه ما حَييت، ولسوف أقف أمامكم يوم القيامة مطالبةً بالقصاص العادل بدايةً من أقاربنا الذين تخلوا عنا، مرورا بصاحب الشركة الذي أقعده، وذوي الأموال الذين أمعنوا في إذلاله، وصولا إلى زوجي المحترم، وأصحاب الأجهزة التي لم يمهلوه الوقت للسداد، خاصةً وقد استردُّوا بضاعتهم، فأبخسونا ثمنها، وكذا الذي ابتاع السيارة مقابل مبلغ زهيد لا يرقى لرُبْع سِعْرِها الأصلي.
وما لبثت أن انتهت من عباراتها حتى انهمرت عبراتها، ونظرت إلى والدها الذي أجهش في البكاء، وقد خارت قواه وسقط على مقعدٍ خلفه.
ضرب القاضي على المنصة؛ ليُسْكِتَ همهمات المتعاطفين من الحضور، وأخرج منديلًا؛ مسح به عينيه؛ خشية ضبطه متلبِّسًا بالتعاطف معها، ثم قال بعد سعْلةٍ يداري بها حشرجة صوته:
-حَكَمْنا نحن بعد المداولة على ” شريف ” بالبراءة، كما حَكَمْنا على المجتمع المذنب في حقه بسداد ديونه، وإعادة الأجهزة والسيارة إليهما، مقابل المبالغ المدفوعة، وعلاجه على نفقة وطن لم يكن يدري عنه شيئا.
رفعت الجلسة، وحملت سيارة الإسعاف شريف بصحبة ابنته، وتبرَّع كل الحضور وعلى رأسهم القاضي بمبلغ يكفي سداد الديون ويفيض.
وفي المشفى، أسلمت الروح لبارئها، فرفعت ” دعاء ” بصرها إلى السماء باكيةً بعينين راضيتين، داعيةً لوالدها الذي مات لِتَوِّهِ على صدرها، شاكرةً المولى أن أعزه لآخر لحظةٍ في حياته.

#نشوة_أحمد_علي

عن fatima saleh

شاهد أيضاً

هاجر الحاكم ..تكتب

صرخت فيهم بأعلى صوتي بأن كيف لهم أن يفعلوا هذا، كيف يطردوني من عملي وهم …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *