احتياج

 

عائلة بسيطة تتكون من ثلاث بنات وولد، ليس لوالدهم هَمّ غير توفير احتياجات أبنائه؛ ليعيشوا حياة سويَّة دون احتياج، إلى أن أصبحت الابنة في سن الزواج، وتقدم لها رجل يفوقهم قليلا من الناحية المادية.
كانت فرحة كبيرة للعائلة، وفي نفس الوقت مأزق كبير؛ فمن أين لهم بجهازها ومصاريف الزواج؟ أصبح الأب يفكر ليلا ونهارا، من أين يأتي بالنقود اللازمة؟
ذات يوم، جلست زوجته إلى جواره، لم يشعر بوجودها، فقالت:
-يا أبا أحمد ، جلاااال، هل تسمعني ؟
انتفض جلال، وقال: ماذا هناك يا أم أحمد؟ ماذا هناك؟
هالة: ناديتك ولم تسمعني، ماذا يحدث معك؟ لم كل هذا الشرود منذ أن خطبت ابنتنا؟
جلال: أفكر كيف سنقوم بتجهيزها؛ ليس معنا ما يكفي، ولسنا قادرين على حمل تكاليف الزواج.
ضحكت هالة، ونظرت إليه في حب جامح وقالت:
-لا تقلق؛ فعندي الحل، وإن شاء الله سنجهزها بأحسن جهاز، فلا تقلق.
انفرج وجهه فرحا، وأسرع بقول:
– ماهو؟
ابتسمت ابتسامة عريضة ، وقالت:
-ابنة خالتي تعرف شخصا يقبل التقسيط، وهي جهزت ابنتها من معرضه، سوف أتصل بها غدا ونذهب إليه.
كان هذا هو الحل، وطوق النجاة بالنسبة له، فوافق بدون تفكير فيما قد يحدث بعد؟
صباح جديد، ويوم بأمل جديد، اتصلت أم أحمد بابنة خالتها وعرفت منها اسم المعرض، وطلبت منها أن تأتى معها، لكنها اعتذرت لانشغالها، كانت فرحتهم الأولى؛ فأرادوا أن تكون أحسن فرحة، وألا تكون ابنتيهما أقل فرحةً من بنات جيلها، وألا تكون قليلةً في عيون أسرتها الجديدة.
وعند عودة الأب، توجه إلى المعرض؛ لاختيار الأثاث وتقسيم الأقساط، ومرَّ اليوم كأجمل يوم في حياتهم؛ فحِمْل ثقيل قد انزاح من فوق كاهله، ولم يبقَ إلا أن يأخذ قرضا لإتمام مصاريف الزواج، وبهذا تكون كل الأمور يسيرة.
مرت الأيام والشهور، وتزوجت الفتاة، لكنها كانت قد تركت خلفها مشاكل كبيرة لعائلتها البسيطة؛ تعذَّر على والدها دفع ثلاث أقساط متتالية؛ بسبب تورطه في سداد القرض، وكذلك حالة الفقر التي وصلوا إليها بعد زواجها. حاول أبي بكل الطرق أن يجد حلا حتى وإن اضطر إلى أن يأخذ قرض جديداً، لكن دون جدوى، حتي الأقارب لم تسعفه، ولما أغلق باب الأمل في وجهه، حاول مع صاحب المعرض أن يمهله قليلا.
لم يسمع له صاحب المعرض، وكان يطالب بالدفع أو تقديم الأقساط للشرطة، أغلقت كل الأبواب في وجهه وفوض أمره إلى الله، وقال لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا.
كل هذا والفتاة لا تعلم شيئا مما يجري لوالديها، وفجأة عرفت أن والدها قد سجن؛ لتعثره في السداد.
وقف الأب داخل قفص الاتهام، وهو يسبح و يتلو القرآن ويناجي ربه بأن يساعده من الخروج من هذه الورطة ,فليلة امس كانت بألف سنة في سجن اوحش من القبر وابشع من منفى القمامة, وبينما الاب منتبه للحكم وقبل النطق بيه، وقفت ابنته أمام القاضي لتلقى عليه وعلى الحضور كلمات الرجاء؛ ليخفف عنه الحكم، وقالت:
-سيدي القاضي، لو سمحت لي، أريد أن أتكلم قبل نطقك بالحكم الذي سيدمرني و يدمر عائلتي.
لم يوافق القاضي على طلبها بدايةً، لكنه رقَّ لحالها، واضطر للرضوخ بعدما رأى انهيارها وارتجافها، وسمح لها بالتكلم، سكتت ثانية، ثم قالت:
-نحن عائلة متوسطة الحال، تضم أربعة أبناء، غير الأم والأب، لا أحد يعمل غير أبي الذي كان همه الوحيد أن يوفر لنا حياة كريمة حتي لو كانت بسيطة، أن ينام أطفاله شَبْعى. إلى أن تقدم لي شخص أفضل منا ماديا، وحان موعد زواجي، وهي سنة الحياة، لكن كان هذا هما كبيرا لبالنسبة له؛ لأنه لا حول له ولا قوة، وكغريق وجد قشة انقاذه، فأمسك بها بدون تفكير، دنا منه طوق النجاة، فأعمته الفرحة عن التفكير في العواقب، كان خطأ، لكن ليس اللوم عليه، اللوم على الظروف والحاجة وقلة الحيلة، اللوم على الراتب الزهيد الذي يجعل من كل منا محتاج يبحث عن الأقساط والقروض، ويجعل الديون تتراكم عليه، إلى أن يجد نفسه في هذا المكان، وراء القضبان.
صدقني سيدي القاضي، إن حكمت عليه بالسجن، فقد حكمت على عائلة بأكملها، عائلة ليس لديها سند بعد الله غيره، ولا حتى من يعطيها كسرة خبز أو قطعة جبن، لم يجرم أبي، لكن الظروف قاسية، قاهرة وظالمة، ولن يعي كلامي إلا من جرب الاحتياج، وأخيرا، أشكرك سيدي لسعة صدرك، وأرجو أن تخفف من عقوبة أبي الذي كان كل ذنبه أن حاول أن يسعد ابنته، لكن كان للقدر رأي آخر.
( الحكم بعد المداولة )
قالها القاضي وطرق بمطرقته، ما أصعب الانتظار، كل دقيقة تنهش في عقلك، وأفكار لا آخر لها، كلها سوداء، ودقائق أخرى تحمل بعض الأمل.
( محكمة )
قالها الحاجب بصوت قوي دوى في أركان القاعة، فانتفضت قلوب الحاضرين.
نظر القاضي في الأوراق التي أمامه، ثم قال الحكم الذي لا رجعة فيه:
حكمت المحكمة حضوريا على المتهم بغرامة مالية وقدرها….، وبدفع الأقساط في أجل لا يتجاوز أربعة شهور، رفعت الجلسة.
كان حكما صعبا، لكنهم فرحوا جدا به؛ فسوف يساعدهم زوج ابنته ، فهو حكم أخف ضررا ،عادت الي مكانها منهكة القوى بعد المجهود الذي قامت بيه امام القاضي نظر لها زوجها نظرة حب جامحة وقال سوف نسدد كل الأقساط عزيزتي انا سأتكفل بكل شيء لا تقلقلي فنحن واحد .
كان طوق نجاة لم تتخيله ان يقف زوجها في محنة عائلتها يتكلف كل هذا المبلغ فكانت تبكي و تضحك في نفس الوقت ما اجمل ان يكون لنا سند نرمي عليه كل همومنا .
امسك بيديها بحب ونظر في عينيها بهيام و قال : انتهى الأمر عزيزتي, فأنا فرد من هذه العائلة , غدا بإذن الله سأتمم كل شيء، و نطوي هذه الصفحة من حياتنا.
تمت الحمد لله

 

بقلم / آمنة عون

عن fatima saleh

شاهد أيضاً

قصة (مصارعة الأمواج)

إنها الخامسة صباحًا، حين دق منبهى بلا هواده معلنًا بدء يوم جديد لا أذكر حقًا …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *