الرئيسية / اخر المقالات / وكأننا سعداء وأحرار

وكأننا سعداء وأحرار

 

 

تنويه

قد يكون ما سأذكره في مقال اليوم متمحور حول حادث واجهني ولكن إن كنت أنا أو غيري فجميعنا نواجه الأحداث نفسها ونفعل الانفعالات نفسها ولذلك قررت في هذا المقال أن أطرح أفكار واجهتني إثر حدوث تلك الحادث…

**********

لا يفارقني هذا المشهد من تلك الليلة عندما كانت جميع مشاعري وجوارحي تدافع عن تليفون غالي الثمن أملكه حينما جاء شخصين لينتشلوه مني بنوع من أنواع الحنكة في السرقة ، تلك اللحظة لا تبرح رأسي أبدا وأعتقد لن تبرح رأسي .

لحظة مليئة بمشاعر متضاربة خوف وتوتر وشجاعة وعجز وتلقائية وقلة الحيلة في آن واحد كل تلك الأحاسيس واجهتني

لم أفكر للحظة ما سيترتب عليه أي فعل سأفعله فقررت دون أي تفكير وبكل تلقائية أن أركض خلفهم لا أعلم ماذا سأفعل ولكني سأرقض حتي أعلم ما سأفعله وقد عرضت نفسي للخطر دون أي داعي ودون اي فائدة…

دعوني أنهي حديثي عن ما حدث بي وما فعلته ولنتحدث عن ما يترتب بعد هذا الحادث من أفكار كثيرة تزاحم رأسي ولن تهدأ حتي أخرجها أو علي الأقل اخرج بعض منها…

*******

“إن وعي الحياة فوق الحياة نفسها ومعرفة قوانين السعادة أعلي من السعادة نفسها”

هكذا قال كاتبي المفضل فيودور ديستوفيسكي في قصته القصيرة المؤلمة حلم رجل مضحك

ان تلك الحياة في منتهي التعاسة والقسوة ونحن سبب من تلك الأسباب التي جعلتها كذلك فقد صنعنا صنم من العجوة وقولنا هذه هي السعادة وصنعنا لها طرق وحبسنا معني الحرية في قالب وتعاملنا معها كأنها حرية , كيف تكون للحرية قالب وكيف تكون السعادة حبيسة قوانين وهمية عبدناها دون أن ندري , أتعلمون أتحدث عن ماذا ؟

أتحدث عن ذلك السجن المادي الذي أصبح يربطنا جميعا في هذا الكوكب المشترك كالثيران في ساقية وجعلنا ندور في دائرة مفرغة من الروتين اليومي كي نحقق السعادة التي هي ليست بسعادة ولكنها كالبالون عبارة عن فقاعة من افكار جمعية مفرغة من الصحة وعديمة الوجود تعكس لنا رؤية ليست بحقيقية

تعلمون ما هذه الرؤية التي كونت داخل أذهاننا جميعا عبر تجار كل همهم هو المكسب المالي

ولذلك قدموا لنا السعادة في منظورها المادي بمنتهي الحرفة التسويقية

فالعالم عبر عشرات السنين منذ وقت ظهور الميديا الاعلامية صورنا السعادة بالحجم كلما امتلكت اكثر سعدت اكثر..

كلما زاد مالك وازداد سعر ما تملك سعدت أكثر , لديك بيت كبير وسيارة فخمة في الخارج بانتظارك تمتلك الكثير من المال وأرصده بالبنوك…أنت الآن في غاية السعادة

ولذلك أصبحنا جميعا نلهث في سباق طويل عريض بحثا عن المادة والكسب المادي

ربما ما سأقوله سيكون رأي حالم لكثير من الناس وربما لجميعهم

ولكن السعادة في منظوري الشخصي ليست بالحجم ابدا

فكل مدى يتم التأكيد لي عبر تجاربي في هذه الدنيا أن الاستغناء مرادف السعادة وأهم مصادرها، وأن التخفف والتخلي من أثقال المادة يورث في الروح خفة ويمنحها جمالاً وحرية.

في هذه الليلة شعرت و كأنني أضعف مخلوق علي الكوكب في لحظة انهزام امام هذان اللصان وقت سرقة هاتفي فقد سرقوا عالمي الخاص هذا الصندوق الصغير انا كنت حبيسه لأكثر من سنة به كل ما املك من آلم وذكري وحنين

ربما شعرت بعد أن تمت سرقته بساعات أنني أصبحت حرا , حرا من الماضي , من كلماتي, من ما حفظته من أرقام, من صوري .

 أنا الأن أولد من جديد لا شيء يذكرني بما مضي إلا ذاكرتي والحنين

ففي الواقع كلانا ضل الطريق انا لهثت وراء هذا الهاتف غالي بالقسط لكي اشعر بسعادة امتلاكي امكانيات وعندما سرق  اللص هاتفي كان لسبب في نفسه غالبا الغرض منه السعادة او الهروب من الواقع عبر بيعه وشراء بثمنه مخدر ينسيه الواقع الأليم في النهاية كلانا ضل الطريق أنا واللص ولأنني ابن ذلك العالم المادي وهذا الزمن أخطط لشراء هاتف اخر

كل ما أريد قوله الآن لأننا أولاد هذه الألفية من الزمن لن نستطيع الزهد بكامل ما نملك ولكن لا يصح ان تصبح افكارنا واحلامنا وامالنا كلها بناء وهم قد رسم في ذاكرتنا لصالح غيرنا فالسعادة الحقيقية توجد عند الارواح الخفيفة التي تستطيع ان تطير من خفة حركتها , الروح التي لم تخلق من هذا العالم المادي هي من تجعلنا سعداء ولذلك يجب ان نسمع لها ونغذيها

عبر ضحكة صافيه مع صديق , لحظة حب حقيقية , لحظة تجلي روحي في العبادة , لحظة نشوة مع سماع موسيقي ……الخ

فجميعنا ضل طريق السعادة أنا واللص وما يجب علينا فعله الآن هو المراجعة والبحث عن المعاني الحقيقية والطريق الحقيقي .

ومناسب أن أختم هذا المقال الذي ربما قد تكون افكاره غزيرة حد اللخبطة

بجملة قالها ديستوفيسكي في أخر روايته حلم رجل مضحك

“من منا ﻻ يضل الطريق ومع ذلك نسير جميعًا إلى غاية واحدة أو لنقل يسعى الجميع إلى نهاية واحدة، من الحكيم حتى آخر.

مجرم حتى وإن اختلفت السبل .”

 بقلم / عمر خالد

عن fatima saleh

شاهد أيضاً

عليك حماية حلمك حتى بلوغه ..

  عليك حماية حلمك حتى بلوغه .. نحن معشر الشباب نعاني الكثير في هذه الفترة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *