الرئيسية / قصص قصيرة / رسالة الموت

رسالة الموت

قصة قصيرة بقلم: أحمد المكاوي

 

تقف المراسلة وعيناها تحمل أثر الدموع، بصوت يعبر عن الأسى الدفين، توجه كلماتها للبث الحي العالمي: (يا سادة، فقدنا اليوم الكاتبة التي أعطت معنى جديد للأمل. طالما كانت كتاباتها حبل نجاة ينتشل أروحنا من الاكتئاب، طالما حدثت المجهول فينا، وكانت منارة أمل لكل من يقرأ لها، ولقد ورد لنا للتو أن آخر ما كتبته وطلبت أن يقرأ في جنازتها، سيتم إلقاؤه اليوم لكم من قبل زوجها العزيز، الذي طال زواجهما أكثر من سبعة عشرين عاما)

(وها هو الزوج يقترب من المنصة) تقولها المراسلة، ويتملكها الدهشة، بل صعق كل من يراه يقترب؛ فلقد كان مبتسما ابتسامة لا تخفى عن وجهه، ولا يحاول إخفاءها، بل كان جاهرا معلنا بها ويصافح الجميع كأنه عرس، كأن رحيلها هو ما أسعده وما كان ينتظره. من يشاهد البث يكاد يسمع ما يقوله الحضور: (هل فقد الزوج عقله؟! هل يدرك أن العرض حي؟)

تقف المراسلة وهي تحاول تملك أمرها، وتتكلم بعد صمت زاد من إحراج الأمر أمرا، فتعود للحديث كأن لم يحدث شيئا: (أيها المشاهدون الكرام، يبدو أن الزوج سيلقي علينا خطاب زوجته الأخير الآن؛ لذا لنستمع جمعيا لكلماتها الأخيرة).

يخرج الزوج من بين طيات معطفه ورقة صفراء كصفرة خريف الشجر، ويفتحها برفق كما يوقظ صديق قديم، ليقرأ منها ويقول :

(لحن خفي يسير بينا، يمر بين المارة دون أن يستأذن أو يقف، يأخذ حصتهم من الألم ولا ينصرف، نغمات الحزن الطائف بها كالهمس الصادر من ناي مكسور مثبت بروحها، ناي قد قطع من بين إخوته كروحها المعلقة في سواد الفضاء دون نجوم؛ فقد فقدت النجوم بريقها لحظة تلاشي النور.

 ويفيض الورد فوضى اللون على ضفتي دموعها، ما لها أن تقاوم هول الشجن إلا بنحيبها، فسقط من كان يحمل مظلة الأمل لها، هويت من بين ثنايا صخور الحسرة من قبل وتزين جسدها بندوب عبثية، تقود لمتاهات لم يقو أحد أن يجتاز جدرانها، ويبقي شذى زهورها كعبق الحزن معلقًا بصدور من حولها.

تذبل كوردة انقطع الماء عنها وليس لها سبيل، بخيوط حمراء مرئية للجميع تقطع أوصالها، ولكن يتجاهلون ويتظاهرون بأنها بخير؛ فطالما لم يفارق الحمرة وجها فهي بخير وإن كانت حمرة وجهها هو دلالة عن نيران صراخها، تبقى هي هائمة من بينهم وتنزف أملا وردي خلفها، وأحلام زرقاء. تتبخر من بين عينها سحابة مظلمة تحوم حولها، يتجمع بها رأسها لتمطر عليها من جديد، حبر أسود قاتم مثقول، بدأ يتجمع بعد نفاد الدموع على قبر من رحل دون أن يدع نفسه فيكون.

نصل مزين ببريق أبيض، يبعث أفكار توحي بأنها نهاية الطريق الذي لا يطول دون إشارات عن النجاة، أو حبل معلق كأغصان النرجس والريحان؛ ليمسك بحزني ويحررني من هذا الذات، أو مجرد خطوة تأخذها إلى الأمام وتسقط للمرة الأخيرة لتجد سبيلًا للمنام.

كخزف هي يتقشر من حول قلبها طبقات كالثرى ويتعرض للهواء الفاسد؛ ليأخذ منه النبض الأخير. كان ممكن أن يحدث هذا لها ويحدث أكثر من هذا لها دون أن ينتبه أحد لها، ربما سيصيب البعض الدهشة الزائفة بملامح شعرية تعبر عن فقدان الأسى، ولكن كلنا كنا نرى الشمس التي تغيب. يا من استصنعوا الفاجعة حتى يطول الليل لا تأتوا إلى جنازتها وتبكون، بل تذكروا تلك الفتاة وتذكروا أملها ودعوا كلماتها تحيا بعملكم.)

يغلق الزوج الورقة ويقبلها ويبقي مبتسما، ويحوم بنظره للجميع ويقول بصوت صبي سعيد:

(ولكن زوجتي لم تكن وحدها وإن رحل من كان بجوارها، ولو انكسر من حولها، فهناك من هو مثلها وربما في أشد حاله منها معذب وساقط في خياله، بل كتبت و كتبت وكتبت لكم يا منسيون، وقبل أن ترحل رقصت مع الفراشات وأنبت الزهور من بين الندوب، وكانت سعادتها تفيض لكم في كل رواية جديد تكتبها لكم أنتم، يا من جئتم اليوم لوداعها لكنكم سبب شفائها، فزوجتي وإن كانت الكاتبة الشهيرة لكم؛ فقد كانت الكون لي، فتاة حزينة، إلا أنها أطلقت حزنها بين السطور، وطلبت مني أن أخبركم بهذه الكلمات. ويا من تتألمين مثلها لا تدعي القلم يسقط من بين أناملك، لا تدعي حبرك ينفد، اكتبي ثم اكتبي اكتبي،  وإن كانت الحروف تهرب منك، اكتبي من أجل جروح روحك التي ستندثر؛ فالألم لا يختفي إلا إذا شاركته، ولا تدعي نفسك فريسة لفوهة العدم.

اشكركم جميعا علي الحضور. والابتسامة علي وجهها كانت آخر ما تركتني به؛ لذا لن أبكي وأتركها بدموعي.)

ُتمت

عن fatima saleh

شاهد أيضاً

قصة (مصارعة الأمواج)

إنها الخامسة صباحًا، حين دق منبهى بلا هواده معلنًا بدء يوم جديد لا أذكر حقًا …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *