الرئيسية / اخر المقالات / ” النص القرآني وماهية تصنيفه الأدبي”

” النص القرآني وماهية تصنيفه الأدبي”

 

جملة أثارت بنفسي شيئًا من فضول البحث والوقوف على الكثير من طروح السابقين في درب الأدب والتفاسير والاطلاع على تناولهم لهذا الشأن، ذلك الاطلاع أوجد بنفسي شيئًا من الجمال وأنا أقرأ، ربما جعلني أتذوق كلمات الله بمذاق مختلف عن ذي قبل، لا أدري!!
لكن الشيء المؤكد أن هذا الاطلاع كان عظيم الأثر في؛ إذ دفعني بكل ما أوتيت من حسن ذائقة نحو كتابة هذا المقال الذي لربما لا يأتي بجديد فكرة، ولكني أعده إفرادا لتلك الفكرة المتناولة بالبيان والإيضاح من قبل الكثير من الكتاب الأوائل حول النظرة الأدبية للنص القرآني فيما بين الشعر والنثر !!
لاشك بأن اليقين الراسخ والاعتقاد الجازم بصدور المسلمين أن القرآن كلام الله المنزل على خاتم رسله، المعجز في بيانه وكلماته وصياغته وتصويره وفصاحة منطقه العربي، وذلك بنصه ذاته وتحديه لكل من يكفر بتنزيله سواء كانوا في الأولين أو في الآخرين ونذكر في ذلك تحديه لقريش بأن يأتوا بمثله حين كذبوه وادعوا زورا بأنه غير منزل من رب العالمين، ونسبوه إلى صناعة بشرية وقالوا إنما يعلمه بشر مشيرين بذلك إلى قينًا (حدادًا) بمكة أعجمي اللسان يدعى (بلعام) ، فجاءهم الوحي ردا على افترائهم:
” وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ ۗ لِّسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَٰذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ.”

فعلى الرغم من عربية لسانهم إلا أن القرآن أتاهم بسبْك محكم معجز، كلما افتروا عليه بشيء جاءهم الرد عاجلا بوحي منزل على رسول الله وبلغة وبيان يلجم الألسنة، ويخرسها عن الخوض فيه بما لا يليق بعظمته، بل منهم من يتحول إليه مقرًا بإعجازه وصدقه وتنزيله الإلهي وخلو يد البشر من اختلاق أي حرف منه بأي صورة كانت.

ونجد أن القرآن الكريم على مر العصور الأدبية كان قاموسا ثريا ومرجعا لغويا لكثير من الأدباء والشعراء في كتاباتهم وأشعارهم، وها نحن اليوم نقف عاجزين أمام هذا الثراء اللغوي الذي نستمد منه مفرادتنا الكتابية، بل والصور الجمالية المتجلية في القصص القرآني والسرد المتقن في سير الأمم السابقة، فهذا الكتاب العربي المبين يعد المرجع الأول لمن أراد أن يخط بالحبر فوق الأوراق كلاما يُقرأ ويُستعذب لدى ذوائق البشر.

والملاحظ في الصياغة القرآنية أنها صياغة خاصة به وحده ، ليست كالنصوص النثرية ولا الشعرية، فأما عن كونه ليس كالنص النثري، فذلك يتضح في كونك لا تستطيع أن تقف أمامه بشيء من التحليل الذي تقوم به مع أي منثور بحيث تقول أن هذه مقدمة النص وهذا عجزه وهذه خاتمته، لا، الأمر هنا مختلف تمام الاختلاف؛ فأنت أمام كتاب مقسم إلى أجزاء، والأجزاء إلى سور، وبكل سورة عدد من الآي الكريمة، وليست هيئته الحالية بهذا التقسيم التي بين أيدينا كما نزل على الرسول صلى الله عليه وسلم، بل كان ذلك اجتهادا من الصحب الأول.

والملاحظ فيه أيضا هو وجود السجع – الذي يعد سمةً من سمات النثر- في كثير من آيه والذي له أثر جميل بالنفس البشرية من حيث استرعاء الذائقة اللغوية لديك، فضلا عن التنوع الصوتي في القراءة والترتيل مما يجعلك مقبلا عليه بقلب شغوف غير مدبر، فلا رتابة تميت الحس، ولا ملل يقتل الروح، بل تجد نفسك في سعى دائم لتأمله، وفهمه والوقوف على أحكامه التي لم تترك شيئًا يخص النفس البشرية إلا وذكرته، وأفاضت علينا فيه، سواء في العبادات أو المعاملات، وكل ذرة وهفوة تخص هذه النفس الساكنة بين جنباتنا.

أما عن كونه يميل إلى الشعر في نظمه وقافيته، فالتشبيه هذا عاريًا تمامًا من الصحة، ودليل نفيه قاطع وثابت بنص القرآن ذاته:
( فَلا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ، وَمَا لا تُبْصِرُونَ، إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ، وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ )
وبشهادة أحد الصادقين من أهل قريش، وهو أبو الوليد عتبة بن ربيعة حين ذهب إلى النبي يعرض عليه مالًا وجاهًا ومُلْكًا؛ حتى يقلع عن دينه، ويترك دعوته، فما إن فرغ أبو الوليد من كلامه حتى تلا عليه النبي الكريم قول الله :
(حم، تَنزِيلٌ مِنْ الرَّحْمَانِ الرَّحِيمِ، كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ، بَشِيرًا وَنَذِيرًا فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ، وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ ).
فأحدثت كلمات الله بنفسه أثرًا عظيمًا، وعاد إلى قومه بوجه غير الوجه الذي خرج به من عندهم متوجها إلى النبي يعرض عليه عطايا القوم قائلا لهم : إني سمعت قولًا والله ما سمعت مثله قط، واللَّه ما هو بالشعر، ولا بالسحر، ولا بالكهانة.
والباب يطول في تفنيد الانتماء للشعر، فهناك الكثير والكثير من شهادات القدماء والمعاصرين من الأدباء والمفكرين ومنهم على سبيل الذكر لا الحصر ماقال الدكتور طه حسين فكتابه ما بين الشعر والنثر :
ولكنكم تعلمون أن القرآن ليس نثراً ، كما أنه ليس شعراً ، إنما هو قرآن ، ولا يمكن أن يسمَّى بغير هذا الاسم ، ليس شعراً ، وهذا وضع ، فهو لم يتقيد بقيود الشعر ، وليس نثراً ؛ لأنه مقيّد بقيود خاصة به ، لا توجد في غيره ، فهو ليس شعراً ، ولا نثراً ، ولكنه : ( كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ ) ، فلسنا نستطيع أن نقول : إنه نثر ، كما نص على أنه ليس شعراً .

وبهذا نخلص بأننا لا يمكننا إدراج كلام الله المعجز في بيانه، المحكم في صياغته، البليغ في عربيته في أي من هذين البابين السابقين من الأدب
يكفينا أنه كلام الله المعجز بكل ما تحمله الكلمة من معاني لغوية واصطلاحية، فهو قسم ثالث متفرد به وحده لم يؤتي بمثله قبله ولن يؤتى بمثله بعده ألا وهو (قرآن).

 

نهلة الهبيان

عن fatima saleh

شاهد أيضاً

عليك حماية حلمك حتى بلوغه ..

  عليك حماية حلمك حتى بلوغه .. نحن معشر الشباب نعاني الكثير في هذه الفترة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *