الرئيسية / قصص قصيرة / العائدون

العائدون

قصة قصيرة بقلم: أسما العنقاء

 

 

يتوسط سام حلقة صنعها من عدد من الأجساد المثخنة بالطعان والمخضبة بالدماء، يقبض بكفيه على كتاب، يتمتم ما يشبه التعويذة، فينبعث من داخل الصفحات نور عظيم ليشق ظلام الليل الدامس، يجلجل صوت سام بتعويذة أخرى فيتجسد النور على هيئة طيف لمخلوق لا يعلم ماهيته، كلما مر الوقت أصبح الطيف أكثر وضوحًا وأكبر حجمًا، برأس كالجمجمة وجسد لم تظهر ملامحه بعد. أخذ المخلوق يترنح كالمستيقظ من سباتٍ استطال أمده. تحركات صاخبة خلف باب الحجرة أعادت سام لواقعه ليختفي الطيف ويسقط من بين يديه الكتاب باللحظة التي اقتحم فيها أفراد الشرطة المنزل…

في مخفر الشرطة أخذ المحقق يذرع الغرفة بعصبية ترافقت مع نظراته الثاقبة للمتهم الجالس على كرسيه باضطراب، على ذراعيه الممددتين باستسلام فوق الطاولة المعدنية تظهر بعض الجروح لتشي بقسوة وعنف ما فعله، كما يبدو جليًا من عينيه الغائرتين فرط الإرهاق والتعب الذي أصابه، يدنو المحقق منه ليسأله بنبرة حادة:

_سام، أنت متهم وكل الأدلة تدينك، كل ما عليك فعله الآن هو الاعتراف بكل شيء. هيا! أنا أستمع إليك، فلتقص على ما حدث تمامًا.

ينظر المتهم للمتحدث نظرات تخبر عن وجل يعتريه، وبظهر كفه يزيح قطرات من العرق رشحت على جبهته، يهمس، وقد ضم ذراعيه إلى صدره قائلا:

_ هم يراقبونني، سيسلبونني روحي إن فعلت، بعض الأرواح هنا تخصهم!

يقطب المحقق ما بين حاجبيه متوسدًا الصمت لهنيهة ما لبث أن قطعه متسائلًا عمن يقصدهم بكلماته ومحاولًا طمأنته أن لا أحد سيصل إليه وهو هنا. وقبل أن يترك له المجال للحديث، حدجه بنظرة تحمل الكثير من الوعيد قائلًا:

فلتعلم أن صبري سرعان ما ينفد!

أخذت ذكريات الساعات الغابرة تتوافد على ذاكرته. ازدرد المتهم لعابه وبإيماءاتٍ غريبة بيديه أظهرته كالمخبول بدأ يسرد قصته.

” وظيفتي عامل نظافة في إحدى الفنادق الكبرى بالمدينة والذي كان وجهة السياح من جميع أصقاع الأرض، في إحدى الحجرات المنوط بي تنظيفها وجدت كتابا بغلاف أسود أثار فضولي فمظهره أوحى لي أنه قديم جدًا، لم يكن يحتوي على عنوان أو أي معلومات أخرى، أخفيته بين طيات هندامي وعادت به إلى المنزل، بعدما أنهيت بعضًا من الأعمال المهمة، تناولت الكتاب وأخذت أقلبه بين يدي قبل أن أتصفح صفحاته والتي كانت بالبداية فارغة، ما أصابني بالخيبة ودفعني لإغلاقه، وما إن هممت بتركه …”

ما إن تذكر سام ذلك الجزء حتى انتفض جسده بقوة وشخصت عيناه ناحية سقف الحجرة صارخًا :

_ إنهم يحاولون العودة… وسيعودون يومًا!

عاد المحقق يبث كلمات التهديد متهمًا سام أنه يحاول إظهار نفسه كمريضٍ نفسي ويحذره أن هذه الخدعة لن تنطلي عليه، وبصوتٍ يحمل أقصى درجات النقم يصيح المحقق به:

_ أكمل ما بدأته وإياك والكذب!!

ساد صمت صاخب لدقائق قبل أن يعاود المتهم الرضوخ لأمر المحقق مستكملًا ما بدأه من سرد لأحداث يزدحم بها فكره .

” ما أن انتويت ترك الكتاب حتى أحست بتيار هواء يتسرب حولي، سرت قشعريرة برد بأوصالي، أخذت صفحات الكتاب تتقلب بسرعة بفعل اشتداد تيار الهواء مجهول المصدر، ثم بدأت تظهر على صفحات الكتاب نقوش غريبة كالتي تنقش على جدران الكهوف والمعابد التاريخية، بدت بعضها رسومات لمخلوقات تشبه إلى حد كبير الكائنات الفضائية، ومخلوقات أخرى كانت وجوهها عبارة عن جماجم بشرية، شعرت حينها أنني تجمدت مكاني من فرط الذهول فتلك المخلوقات المرسومة بدأت تتقافز داخل الصفحات حتى خيل إلي أنها ستغادر الكتاب نحو عالمنا، ألقيت الكتاب بعيدًا وكل ذرة بجسدي ترتجف خوفًا، فكرت بالتخلص منه وما إن دنوت منه حتى بدأت الإنارة بمنزله تخفت شيئا فشيئا، فيما رشح ضوء عجيب أزرق من داخل الكتاب، حاولت حينها الهرب.. الصراخ، إغماض عيني ظنًا مني أني أرى كابوسًا فقط ، لكن شيئا لم يجدِ نفعًا، أصبحت أمام ذلك الكتاب  لا حول لي ولا قوة .. فقط أقف مشدوهًا مستسلمًا.”

يأمره المحقق بالتوقف عن الحديث، ليصمت المتهم راضخًا لأمره، يومئ المحقق لشرطي بجواره أن يقترب، وما إن فعل تمتم له  آمرا إياه بأن يذهب لإحضار الكتاب على وجه السرعة .. غادر الشرطي الحجرة ليتبقى بها المحقق والمتهم فقط.

أغمض سام عينيه وهو يتذكر كيف بدأ يتحول شيء بداخله ما أن تناهى لمسامعه صوت لا يعلم مصدره، وكأن سيلا من الذكريات تدافع مرة واحدة بتلافيف عقله، صدى حديثه بدأ يوقظ وحشًا كان يربض في سبات في أعماقه، طاقة عجيبة بدأت تستشري بزوايا روحه وجسده…

أخذت تتتالى المشاهد أمام عينيه، وكأنه يشاهد فيلمًا سينمائيًا، مجموعة من المخلوقات منذ قدم الزمان آثروا ترك الرمح لصنع حضارة مجيدة، امتازت بالعلم والتقدم التكنولوجي، لربما تجاوز بعض أفرادها فجنحوا للبحث بعلوم الغيب، ربما تملكهم الفضول لمعرفة كيف خلق الكون والإنسان وكل شيء. ما أثار امتعاض وغضب الآلهة التي كانت كل الحضارات تخضع لسلطتها، كان يجب أن يغريها ألق ازدهار حضارتهم فتتجاوز عنهم وتغفر لبعضهم بيد أن الآلهة حينها كانت تحابي حضارات على أخرى، أنزلت غضبها و لعناتها على أرضهم، طمست حضارتهم فنجا من نجا وهلك من هلك، ضُرب جدار عظيم بين الأرضين، فباتت الأرض الملعونة بباطن الجدار.. لا تُرى ولا يصلها مخلوق أو أرواح، أما القليل ممن استطاعوا الهروب خارج أرضهم الملعونة فلاحقتهم الآلهة فكان عقابهم أن تظل أرواحهم هائمة خارج حدودهم… استطاعت بعض من تلك الأرواح إيجاد ثغرة لتعود بهيئة مادية، كانت لحظة ميلاد كل طفل بهذه الأرض هي لحظة أمل بعودة إحداهن.. تتزاحم تلك الأرواح حوله فإن قدر له الحياة ردت على أعقابها خائبة، وإن قدر أن يكون ممن تباغتهم المنية مبكرًا سكنت إحداهن جسده على عجل ليطلق عليه بسذاجة لقب “الطفل المعجزة” العائد من الموت.. في وقتنا الحالي أصبح عددهم بالآلاف وكان سام أحدهم!!

ما إن تستوطن الروح الجسد حتى يطوي النسيان ذاكرتها إلى أن يجد الكتاب طريقه إليها فيعيدها لسابق عهدها.

طُلب من سام بعد ذلك استئناف الحديث، ليصدر صوته هذه المرة أكثر ثباتًا وقوة ..تبدلُ حاله أثار دهشة المحقق، خاصةً وأن كلماته الوافدة كانت ضربًا من العُجاب..

_ كل ما تريد معرفته سيدي سيخبرك به الكتاب، وحده طريقهم للتواصل مع تلك الأرواح وسبيلهم للعودة .. باتت عودتهم حتمية، وأجسادنا مفتاح عودة حضارتهم الموءودة..

يدني المحقق من شفتيه لفافة تبغ، ما دل على اضطرابه وقد لاحت ظلال لا يُفهم كنهها على محياه، وقد بدأ يفكر جديًا أن سام هذا مجنون ويقوم بطقوس شيطانية ..

يتململ المتهم بكرسيه وقد بدت عليه ملامح الغضب ونفاذ الصبر موضحًا أن اختيار الكتاب له لم يكن عبثيًا ولا ما قام به لاحقًا مس من جنون.. بل هي روح تملكت جسده يأتمر بأمرها فقط!

نظر له المحقق بريبة متسائلًا بينه وبين نفسه:

_ كيف استطاع هذا المخبول قراءة ما يدور بخلدي؟!

يستطرد سام مكملًا حديثه:

_ لا أعي تمامًا متى قبضت على السكين وما دفعني لمغادرة المنزل إلى منزل جارتي المسنة.. والتي كنت لها كابنها الذي لم تنجبه، كنت ألمح أشباح تلك المخلوقات المخيفة تظهر بين الفينة والأخرى حولي مطلقةً صفيرًا جعلني أثور، ودون أدنى شعور بالرهبة أو الرحمة ودون أي تردد أحطت جارتي بذراعي طاعنًا إياها طعنات متتالية، لم يعدني إلى صوابي نظراتها المذعورة ولا همسها بصوتٍ واهن :

لماذا سام؟!

انتقلت بعدها لبعض المنازل، لم يكن من الصعب ولوجها فلطالما كنت الشاب الخلوق الودود والذي يحبه الجميع .. حتى جارتي وأطفالها الصغار لم تأخذني بهم رحمة، كلت على الأم الطعان أمام صغارها بنشوة ومتعة ما عهدتها، أخذت ألاحق أطفالها بكل ركن حاولوا فيه الاختباء، كانت اللذة تتضاعف مع تدفق الدماء، وكانت الأشباح تتراقص حولي مبتهجة، في منزل تلك الجارة المستجدة ووالدتها بدأتا بالصراخ ما إن ظهرت أمامهما بذلك المظهر الملطخ بالدماء القانية . لكن ذلك لم يثنني،   فانقضضت على الأم و أجهزت عليها مباشرة بفصل رأسها عن جسدها بمشهدٍ أصاب ابنتها بالذهول، استطعت القبض حينها عليها وجذبها من خصل شعرها، إلا أن تلك الفتاة هربت ما إن باغتتني برذاذ حارق أفقدني القدرة على الرؤية.. كنت أعلم أنها ستشي بي، لكني راهنت على قدرتي على إتمام طقوس استحضار روح كبيرهم إلى هنا قبل أن تصلوا إلينا…

يطيل المحقق النظر بذلك الوجه الممتقع بصفرة الهذيان والجنون ..و بنبرةٍ مضطربة يطرح المحقق سؤاله والذي قرر المتهم لاحقًا أن يكون آخر ما يجيب عليه من أسئلة هذه الليلة:

_لمَ حاولت استحضار كبيرهم ؟!

أخذ  سام  يفرك بأنامله وجهَه بعصبية واضطراب قبل أن يخضب على حين غرة بياض عينيه وأحداقهما بالسواد البهيم ..وبصوتٍ أجش مهيب صاح:

_ ثمة بوابة تفصل بين أرضنا وأرضكم مفتاحها كفتي ميزان ..إذا ما حضر كبيرنا شاع الفساد والخراب بأرضكم وانهارت حضاراتكم حينها تثقل كفتنا ويشرع الباب بيننا وبينكم.. سنعود وحينها  لن يردعنا أحد  … لا أحد … سنعود لننتقم !!

في مكتبه الخاص يجلس المحقق مضطربًا…رغم مرور ساعة كاملة على ما حدث إلا أن جسده لا يزال ينتفض بقوة، تملكه الخوف مما رأى وسمع لكن كيف له أن يعتنق تلك الأفكار وهي إن لم تكن ضربًا من الجنون فهي ضرب من محال!

يضع قدحًا من القهوة فوق سطح مكتبه الممتلئ عن آخره بأوراقٍ ومستندات غير مرتبة..

يقبض بأنامله على لفافته ونظره معلق بتلك السحابة الرمادية والتي انبثقت من ثغره، ما إن تلاشت حتى التفت تجاه ذلك الكتاب الأسود المسجى أمامه والذي ادعى سام أنه كتاب يحمل الإجابات واللعنات، يحادث نفسه قائلًا:

_ أي خيال محموم يملكه سام ليصوغ هذه القصة وأي شيطان ذلك الذي تملكه، فدفعه لقتل الأبرياء  وممارسة طقوس ملعونة ؟؟!

بدأ الدخان المنبعث من لفافته يدور حول رأسه بشكلٍ غريب ما عهده، يعاود المحقق النظر للكتاب، خيل إليه أنه يرتج  وأن قبسا من نور يتسرب من بين دفتيه، شيء ما بداخله يحضه على الاقتراب منه وملامسته إلا أن أزيز هاتفه أوقفه، ينظر لساعته والتي تشير لوقتٍ مُتأخر.. أصابه الجزع ما إن ظهر رقم والدته على شاشته، بصوت حذر يجيب على الاتصال قائلًا:

_ ماما.. هل كل شيء على ما يرام؟!

من سماعة الهاتف ينبعث صوت أنثوي رخيم:

_ لا تقلق بني… الجميع هنا بخير،  فقط اشتقت لسماع صوتك “طفلي المعجزة” ..

في اليوم التالي تبدأ الأخبار بالانتشار كالنار في الهشيم، أخبار عنوانها الأهم :

“سلسلة من جرائم القتل الغامضة تجتاح البلاد، كان آخرها مقتل عدد من أفراد الشرطة على يد محققٍ في وقتٍ مبكر من هذا صباح !

 

#تمت

عن fatima saleh

شاهد أيضاً

قصة (مصارعة الأمواج)

إنها الخامسة صباحًا، حين دق منبهى بلا هواده معلنًا بدء يوم جديد لا أذكر حقًا …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *