الرئيسية / ثقافة عامة / محاكمة الكتاب الإلكتروني

محاكمة الكتاب الإلكتروني

محاكمة الكتاب الالكتروني
مع تطور الانسان الاول و ظهور المجتمعات البشرية .وجد الانسان نفسه غير قادر علي التفاهم مع بني جنسه فابتكر اللغة .ثم وجدنا الانسان الاول يعيش حياة صعبة بربرية بتطرف بردها و حرها و قسوة طبيعتها يصارع فيها الضواري و ينازل السباع ليس له منها غاية الا ان يحيا .و لما كان مما لا يستسيغه المنطق و لا يتقبله العقل و لا الفطرة السوية ان يزول ذكر الشجاع و الجبان .القوي المتغلب و الضعيف الهزوم .فانتج الفكر البشري الكتابة تخليدا لمن يستحق الخلود .
لم يصلنا علي وجه الدقة أي امة اخترعت الكتابة الا ان علماء التاريخ و الانثرولوجيا حصروها ما بين بلاد الرافدين و الصين .و كل منها تباهي العالم كله بهذا الاسهام .بل و حتي الشعوب التي حورت و طورت في اشكال الحروف و صنوفها كالهند و فينيقيا .تباهي هي الاخرة بما قدمته في مضمار الحضارة الانسانية . فتقول و لسان حالها فخرا (منحت الانسان اقصي ما تصبوا اليه نفسه منحته الخلود ).
ثم دخلت البشرية _بعد ان شكلت الطور الاول للحياة الاجتماعية (القبيلة )_في صراعات متصلة تغالب فيها القبائل بعضها و الشعوب جيرانها و مع نشاط حركة التجارة .استطاعت الشعوب ان تضطلع و تبصر بعينها ذروة تجه الفكر الانساني .فانتقلت الكتابة لشعوب الارض قاطبة حتي همج القبائل البدائية اصبح لهم تخيل عن هذه الكتابة .
واذا اصبح الامر مشاعا بين الجميع انكروا فضل من كان له السبق فيه !و ظنوا فخره و اعتزازه باسبقيته خبلا لا نفع فيه .فما قيمه ان تخترع انت الحاسوب .ثم يملكه الجميع يضيفون عليه و يطورون ادواته .و يتمكنون من فهم مدخلاته و مخرجاته علي نحو اعظم منك .حتي اذا ادعيت بعد ذلك سموا عليهم صرخوا في وجهك و طالبوك بالندية .فلم يعد الامر الان من اخترع الحروف .بل من يسوغ هذه الحروف في قوالب فكرية يستفيد منها الجميع .
وعيت الشعوب هذا الامر فاخذت تتسابق في مضماره _فتاره نجد اثينا عاصمة الفكر الانساني .و تارة الهند تتوج بدار الحكمة _و ظل ملوكها يلقبون بملوك الحكمة حتي قيام الدولة الغزنوية _ثم نجد بغداد _بلاد اشور القديمة _تفيق من غفلتها لتتربع عاصمة الثقافة الاسلامية فمنها الي قرطبة .فتتبدل عليها الايام و الليالي و ينزل بها الحدثان .فتصيرا في خبر كان ! لتبرز قاهرة المعز عاصمة الثقافة العربية .
اما ما تقدم فهو شهادة ميلاد و حسب و نسب للكتابة الورقية .رايت ان الامانة العلمية و الكتابة الموضوعية تفرض علي اذكر قبل ان اتناول المفاضلة بين الكتاب الورقي سليل النسب المذكور و التاريخ البشري الممتد لألاف السنين و بين الكتاب الالكتروني مجهول النسب !
كانت الشعوب قديما تتباهي بعدد الوراقين في احيائها و نواحيها .فكان العرب يباهون بصنوف الكتب الورقية .فكتب حاجي خليفة كتابه كشف الظنون اورد فيه نحو 18500كتاب شرقي ألحق فيها اسم كل كتاب بمؤلفه مع بيان عنه .و يباهون بان مكتبة قرطبة في عهد الحكم الثاني بلغت 600الف كتاب .بينما لم تبلغ مكتبة شارلمان في اوج عظمتها 12000 كتاب .فكانت المفاضلة الثقافية و الحضارية بين الشعوب تقاس باعداد الكتب الورقية .و بقدر ماتهيئ الحكومات و تيسر من ادوات الكتابة فحكمت علي اوروبا بلقب العصور المظلمة .ذلك انهم كانوا يكتبون علي الرقوق لغلاء اسعار الورق .فقد تعود الرهبان علي حك كتب كبار المؤلفين من اليونان و الرومان ليستبدلوا بها مواعظهم الدينية !
و ثبت تقدم العرب الحضاري لهذه الحقبة الزمنية بما اتاحوا من ادوات الكتابة .فاستبدلوا الورق بالرق و اقاموا مصانع للورق الحريري . و استبدلوا القطن بالحرير حتي يصبح اكثر اتاحة .. و ثبت اهم صنعوا الورق من الاسمال
و نشأ عن كثرة المكتبات العامة و الخاصة في الاندلس ايام سلطان العرب الي زيادة مصانع الورق .
فكان الميزان الحضاري يحتكم لعنصر واحد في المفاضلة .ليحكم بان هذه الدولة اكثر تحضرا من تلك .فقط احتكاما لعدد الوراقين و تعداد الكتب الورقية .
و لا شك ان هذا المعيار لم يختلف كثيرا عن عصرنا الحالي .حدثني صديقي مرة بأن مكتبة الاسكندرية كانت هي الاكثر كتبا في زمانها مفارنة باندادها .فكانت قبله الوافدين من الباحثين و العلماء .ثم انتقل الامر الي قرطبة .فمنها ….و منها ….الي ان تستقر اخيرا في مكتبة الكونجرس .لنقر من غير عاطفة حزن او أسي انها الاكثر كتاب و الاكثر تحضرا و ر.
و كنا حتي زمن قريب نقيس القيادة السياسية و توجهاتها الفكرية بقدر ما تيسر من سبل الاضطلاع و القراءة و البحث و التأليف .فنستطيع ان نقر بان مصر كانت تسير بخطي ثابته نحو اقامة شعب مثقف مضطلع من خلال ماتيسره هيتاتها من انشطة وزارة الثقافة و و المهرجانات الثقافية و مكتبة الاسرة …الخ .و كان سن ياتسن زعيم الصين الاشهر و قائد ثورتها مؤمنا بان الطباعة عامل عظيم من عوامل الحضارة بحيث تقاس حظوظ الامة من التقدم احيانا كثيرة بمقياس مطبوعاتها كل سنه .فتعهد بتيسير اثمان المطبوعات .و بصناعة الورق محليا و انشاء المصانع لصناعة المداد و و الادوات المطبعية .و كل ما هو ضروري لادارة النشر و الطباعة .
الا ان ظهولر الكتاب الالكتروني علي ما له من مزايا .من سهولة الحصول عليه .و مجانية اقتنائه .و امكانية اصطحابه و قراءته في أي مكان حتي وسائل المواصلات بازدحامها و صخبها . و سهولة البحث و النقل و النسخ .و امكانية اعارة الكتاب للغير من غير حساسيات الكتاب الورقي .
الا انه ما جدوي الصلاة من غير طهارة !!و ما قيمة ان تمنحني مائة و تسلب الفا!!
ارتكب الكتاب الالكتروني جرائم في حق الكتاب الورقي و انتهك عقول القراء .و وضع الغمامة و نشر الضباب فوق رؤوس المسؤولين عن الثقافة .و افسد الذوق العام .و سلب الكتاب حقوقهم الفكرية و المادية .و اليك بنود الاتهام .
فبعد ان استقر الفكر الانساني المشترك علي ان مبلغ الامم من الحضارة يقاس بالوراقين و الكتاب و قد استقر علي ذلك راي كثير من فلاسفة الفكر الاوروبي اشهرهم غوستاف لوبون في معرض مقارنته حضارة العرب بحضارة الغرب .و لما ظهر الكتاب الالكتروني و نافس و زاحم الكتاب الورقي اسقط هذا المقياس .فصرنا لا نعرف حجم ثقافة الشعوب او ميولها الثقافية في أي اتجاة .
و اما عن انتهاكه لحقوق القراء .فالمكتبات الالكترونية تعرض علينا سلع معرفية (الكتب )تكاد تكون نفسها في كل المكتبات _تكاد تكون السلع المعرفية المعروضة في كل المكتبات واحدة _و التي لا تزيد في جملتها عن الروايات و بعض الاقاصيص علي ضحالة اكثرها و سخافته .فتحرم النفوس المضطلعة من كتب التراث العربي و الغربي .فنادرا ما تجد مكتبة تعرض لرسائل المقريزي او كتابات المسعودي او مقدمة ابن خلدون او كتب ابن رشد او الفارابي فيلسوف العرب و العجم أو لكتابات فريزر او فولتير مونتسكيو سقراط و غيرهم .في حين ان قراء الكتب الورقية زائري المكتبات العمومية .يدخل المكتبة فيبصر بعينه صنوف من الارهاصات الفكرية علي مر العصور و عشرات التراجم و امهات الكتب .فيعينه ذلك علي التعرف بكتابها و كتاباتهم .و هو مالا تتيحه المكتبة الالكترونية .فأضرت بذلك بالفكر العام الذي اصبح اميل لسخافات هواة الاقاصيص .
و الكتاب الورقي ليس مجرد مطبوع تتناوله يد القراء .فهو علاقة حميمية تربط القارئ بالكتاب . فهو يتناول الكتاب و يجلس علي هيئة ترضيه .ثم يقلب الصفحة تلو الصفحة واحدة بعد اخري . فتصبح عين القارئ هي الكاتب يوجهها الكاتب حيث شاء .و يسقط عليها الضوء حيث أراد ..حتي يتوحد من خلالها مع المؤلف . فيندمج عقل كليهما و يتوحد في شخص واحد …حتي اذا ما انهيت الكتاب .طفقت بيدك تضرب في الهواء بأنك اصبحت ندا للكاتب ! فهذا الكواكبي يتناول في رائعته (طبائع الاستبداد) الاستبداد السياسي و اثره و طرق الخلاص منه .فبعد ان انهي كتابه هذا .استطيع ان اقول باني ندا للكواكبي .اصبحت مؤمنا بارائه ايمانه هو بها .اصبحت مستوعبا لكتابه استيعابه هو نفسه .حتي اننا لو لو جلسنا مجلسا يناقش الاستبداد فسأجد ارائي و ارائه تبعث علي شئ واحد بفكرة موحدة و بصيغ مشتركة .و هذا لا يتاتي الا بالكتاب الورقي .
سافر المفكر المصري الاشتراكي سلامة موسي الي اوروبا مبعوثا لاتمام دراسته فاضطلع علي نمط الثقافة الانجليزية _التي كانت قائمة لا شك علي الكتاب الورقي _ و شاهد البيت الانجليزي فعاد يقول ان لهذه الشعوب ذوق مستقيم راقي .ذلك ان الكتب لا قفارق دورهم .حتي الطرقات مابين الصالة و الممطبخ تجد فيها رف كتب !الا ان الكتاب الالكتروني افسد علينا هذه القيمة الذوقية الرفيعة .
و ليس مما يستسغه العقل ان نطيل في المقارنة بين الذهب الابريزي الخالص و بين الفحم الفاسد .فالكتاب الاكتروني لا ازيد في حديثه الا بما قال الهمذاني (انها أشبه بالاخلاف أو كشجر الخلاف زهرة يملا العين و ليس ثمر في البين .فالكتاب الاكتروني امامه الكثير و الكثير من من المعضلات فاما يتغلب عليها فيذللها و يصححها .و اما سنفتح اعيننا ذات نهار نحسبه لية ضبابها اسود . احاط بنا ذوق عام قد انهار و سقط لا يعرف من فنون الكتابة غير الرواية و القصة .و امهات الكتب و المجلدات قد اختفي ذكرها و سقط اثرها .فحينها بلا شك سنتمني الا تنكشف الغمامة .وهي اذ تنكشف نجد انفسنا وحيدين لست اقول في ذيل الامم و انما اقول في مقبرة التاريخ !!
المصادر
1-كيف نربي انفسنا سلامة موسي
2- حضارة العرب غوستاف لوبون
3-مروج الذهب و معادن الجوهر المسعودي
4-أبو الصين سن ياتسن العقاد

 

الكاتب / محمود الشريف

عن fatima saleh

شاهد أيضاً

نازية إلكترونية

“أَنا أَفضلُ مِنك” قالها قابيل لهابيل، لم يكنْ يدرك النقاء الداخلي الذي يتمتع به هابيل …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *