الرئيسية / ثقافة عامة / خلف كواليس التفاصيل

خلف كواليس التفاصيل

بقلم سلمى كوك

 

 

 

دائمًا نشاهد اللقطة الأخيرة التي تخرج لنا على هيئة تفاصيل، قد تسعدنا أو قد تخفق قلوبنا لها، ولكننا لا نعرف مايدور خلف ستار هذه التفاصيل.

خلف الكواليس خبايا وأسرار لا يدركها إلا أصحابها والأماكن التي شهدتها؛ الحوائط المُلوّنة، الأكواب والفناجيل، الأقلام وبعضٍ من الوريقات التي تحمل كلمات ذات شيفرة صالحة لفهم شخص واحد فقط.

ذلك الجانب المظلم الذي لا يراه عامة الناس من حولك، يقدّره البعض فيوثقه بأسلوب مميز، ويهمشه البعض الآخر فلا يهتم له ولا لأحداثه، هو الجانب الأهم في المشهد، رغم عدم وجوده بداخله، ومع ذلك، هو العامل الأكبر في تأسيس الأحداث، أو بالأدق هو منشأها ومسقط رأسها.

وفي الكواليس، تجد التاريخ ساطعًا في خبايا التفاصيل؛ فلولا حروب بلاد الفرس وبلاد اليونان الطويلة ماكان (الإسكندر) لينشأ نشأة عسكرية، فيتولى العرش ويقوم بحملات على الشرق ضمت مصرنا فكانت إثرها الأسكندرية، ثم ماكان (صلاح الدين) يُخلد في كتب التاريخ لو لم يكن للمغول والتتار وجودًا، الكثير والكثير من الشخصيات والأبطال البارزين الذين وثّقهم التاريخ، كان وجودهم نتيجة لأحداث ربما بدأت صغيرة وتراكمت خلف الكواليس؛ فخرج المشهد على هيئة تاريخ يحكي عن مقاومات وصراعات وخدع ومكائد وانتصارات، عن إمبراطوريات ذات عظمة وشموخ، أصابها الضعف لتسقط وتقم على أطلالها إمبراطوريات أخرى.

وقد تكون الصدف كواليسا لأحداث شغلت العالم بأكمله، أو هي مفتاح لبعض الحضارات والعلوم؛ تُرى لو لم يكن (شامبليون) على دراية باللغة اليونانية، هل كان سيكون لحجر رشيد قيمة حضارية؟ أو هل كان سيكون للهيروغليفية وجودًا يكشف لنا تلك الرموز المنقوشة على جدران المقابر والمعابد والعديد من الآثار؟

ثم ماذا لو لم تكن الشجرة التي جلس تحت ظلها (نيوتن) مثمرة؟ هل كانت الجاذبية ستظل مصنفة في علم الغيبيات تنتظر معجزة أو صدفة تختار شخص آخر غير (نيوتن)؟!…

من زاوية أخرى لكل هذه الكواليس، كان الإصرار كالوسًا رابحًا في مراقبة (ابن فرناس) لحركة أجنحة الطيور وعبقرية حساباته، ومحاولته للطيران رغم اتهامه بالجنون؛ ليصبح أول طيّار عربي جعل المستحيل واقعا والجنون شيئا عقلانيا يتطور في كل عصر.

الكواليس، هي البذرة التي أثمرت تفاصيلًا على مسرح الأحداث، هي التي حرّكت الأقلام، وجعلت للخيال جُملًا تعبر عن الأحداث مجازًا و كناية؛ فلولا القطار الذي يجري مسرعًا ليوفّر متسعًا من الوقت، ما كنّا سنرى في سرعته العمر الذي يمر بسرعة تشبه ذاك القطار، ولولا الظلام ما وجدنا بين طياته تشبيهًا للأزمات التي تمر علينا.

كل التفاصيل التي تدور من حولك خلفها كواليس قد تحررك من تهمة، أو تصنع منك مغامرًا وتكشف لك حقائقًا تضيف لك علمًا وثقافة وخبرة أنت دائمًا في حاجة إليها؛ فكن منتبهًا لكواليس السبيل الذي ولدت من أجله فهي منارة هدفك المرجو.

عن fatima saleh

شاهد أيضاً

نازية إلكترونية

“أَنا أَفضلُ مِنك” قالها قابيل لهابيل، لم يكنْ يدرك النقاء الداخلي الذي يتمتع به هابيل …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *