الرئيسية / ثقافة عامة /  (القاتل الشرس ..والموت البطيء)

 (القاتل الشرس ..والموت البطيء)

بقلم : أسماء خلف

 

إذا أردت أن تنهي حياتك، فكل ماتحتاجه هو غرفة مغلقة وكرسي وحبل معلق في السقف وسينتهي كل شيء، أو أن تتجرع كمية كبيرة من السم فيفتك بك علي الفور، ولكن ثمة وسيله أخرى قد تستهويك إذا كنت من عشاق العزلة، وستقودك للموت البطيء، وهي من أبشع الوسائل وأكثرها فتكا، فقط كل ماعليك هو استدعاء القاتل الشرس وهو سيتصرف، تم تصنيفه كأخطر قاتل علي البسيطة، لايستعصي عليه شيئا أيا كان، محترف بطبعه، لايعرف للرحمة اسما ولا عنوانا، فور ما تستدعيه سيستحضر أدواته المستحدثة ثم يتسلل إلى دماغك إلى أن يصل إلى غرفة التحكم؛ فيغزو كل جزء فيك، ويصبح هو الآمر والناهي، ويسوقك إلى الهاوية؛ حيث سيحولك من إنسان إلى مجرد ريشة معلقه في الهواء، تتقاذفها الرياح كيفما تشاء وأينما تشاء! سيجردك من أحلامك ومشاعرك، سيجردك من نفسك. لاتقلق ياعزيزي، فهذا هو عمله وسينهي حياتك شئت أم أبيت، أظن أنك قد عرفته، وأظن أيضا أنك قد واجهته يوما، قد يكون قد هزمك، وربما أنت من هزمه، وإن لم يكن كذلك فاقرأ هذا المقال لنهايته، وستعرف عما أتحدث…

إنه الاكتئاب، أو (القاتل الشرس) كما أسميه. يبدأ نفسيا وينتهي جسديا، وقد يؤدي إلى مضاعفات كثيرة، دعني أخبرك كيف يعمل؟ وكيف يبدأ إلى أن ينتهي، كل ما عليه هو زرع فيروسه اللعين في عقلك، ذلك الفيروس الذي يتجسد في صورة أفكار أو ذكريات قد تكون مؤلمة بالنسبة لك، إلى أن تغزوك، بينما يقف هو في إحدى الزوايا يراقب ويشاهد، إلى أن يحن دوره؛ فيتدخل عندما يعلم أن الفيروس قد أوصلك إلى حد اليأس، حتى أصبحت غير قادر علي المقاومة، وعندها يسكن هو في جوفك، إلى أن تلقي مصرعك، أو تطلب القتل الرحيم.

انظر حولك جيدا وتمعن النظر، وستعرف من حقن بذلك الفيروس، فهم مميزون، كل ماعليك هو التدقيق في وجههم الشاحب، والنظر إلى تلك الهالات السوداء أسفل أعينهم، وإلى شعرهم المتساقط هنا وهناك، حتى علي ملابسهم، وإذا نظرت إلى أظافرهم فلا تستعجب، فليس هناك أية فئران قد قرضتها، بل هم من فعلوا، ستجدهم كالمنومين مغناطيسيا، جسد فقط هجرته روحه. هناك من قرر العزلة وانطوى على نفسه واكتفي بتابوته وسقف غرفته، وذلك الظلام من حوله حتى ضاع هو وسط كل ذلك، وتحول ما بداخله إلى صحراء قاحلة، قد تجد أيضا من أصابه التوتر وطغت على ملامحه علامات الغضب، حتى إن وجههم أصبح متحجرا، فتراه يثور على أهون سبب، وتغلي مراجله على كل من حوله دون سبب، وقد يسبب ذلك أمراضا كثيرة للبعض كالضغط والسكر وانسداد الشرايين وغيرها… فلطفا بهم، فقد تكون كلمتك ثاقبة لبعضهم فيزداد الوضع سوءا.

إذا قررت الاقتراب منهم، فعليك أن تأخذ حذرك، لأن ذلك الفيروس معدي ككل الفيروسات التي نعرفها والتي لانعرفها، وهذا مايريده القاتل الشرس، قاتل ليس كبقية القتلة، قاتل من نوع خاص أكتر احترافية ودهاء، يعرف مايجب فعله جيدا، يعشق الألم ويتغذى على الأحلام الضائعة؛ فهم سبيله للوصول إلى عقلك الذي يعج بتلك الأفكار المرهقة، فيتخلل إلى نقاط ضعفك ويحولها إلى نقاط قوه له، ومن هنا يغزو كل شبر فيك حتى يسيطر علي معالمك كلها، ثم يتجه إلى جسدك المرهق، فيفتك بكل عضو فيه، حتي يدفنك بين ركام ذكرياتك وأفكارك.

أعتقد أن هذا الفيروس يجيد التلاعب بالألوان من حولك، يتلاعب بها كيفما يشاء، وأظن أيضا أن ليس في جعبته سوى اللون الأسود؛ فترى كل ماحولك قد تلون بلون الليل الدامس، التي خلت سماؤه من النجوم، أحيانا يكون هذا الفيروس هينا؛ وأحيانا يصل إلى ذروته على حسب مقاومتك أنت له، وكما تعلم فلكل قاتل طريقته ولكل قاتل أدواته، فمنها ماهو هين ومنها ماهو فتاك، ومنها ماهو دون الاثنين، وكذلك الاكتئاب.

ربما قد استيقظت من نومك ذات ليلة فوجدت كأن شخصا قد شرع في خنقك، وأحيانا أخرى قد تستيقظ مذعورا من غفوتك فتهم بالبكاء اللارادي، وأحيانا قد تشعر بألما لايطاق في رقبتك وظهرك، مع وجود بعض العلامات في إحدى المناطق في جسدك، إذا حدث أيا منها فاعلم أن الفيروس قد أصابك لامحالة، ويجب عليك أن تعد عدتك للمحاربة، فتتخلص منه قبل النيل منك، ومهما حدث فلا تتخذ من العزلة ملجأ حتى لايتسلل إليك القاتل بنفسه، فيجد فيك ضالته ويفعل مايجب عليه فعله، وبعدها لن تستيقظ، وإذا فعلت فستجد نفسا شخصا آخر أنت نفسك لاتعرفه، وربما تنهي أنت حياتك بنفسك دون الحاجة لمن ينهيها.

كثير منا قد ضاعت أحلامه الوردية التي لونها بألوانه الخشبية علي تلك الجدران، وكثير منا قد فقد سنده وانحنى ظهره بعدها، وأيضا هناك من ضاعت أعمارهم هباءً منثورا دون تحقيق أي شيء؛ فينتهي بهم الحال إلى الضياع في الزحام بداخلهم، كثير منا قد أخذته مخيلته إلى عالم غير عالمنا، وعندما فتحوا أعينهم صدموا بواقعهم المرير.

نحن نؤمن بأننا قد خلقنا طبقات نكمل بعضنا البعض، فإذا نظرت إلى من هو أعلى منك وأبعدت ناظريك عن من هو أدنى، سيصل إليك الفيروس لامحالة بأي طريقة كانت؛ وإذا استمريت في الندم على ما ضاع، والذي طال انتظاره أيضا، سيتسلل إليك. من منا يتمنى الموت البطيء؟ من منا يريده؟ من منا يفضل العيش في الظلام؟ افتح عينيك على كل ذلك النور من حولك، انظر إلى الجانب المشرق من عالمك، اجعل الرضا عنوانك، ارض بما قسم الله لك ولاتجزع، فهناك في نهاية ذلك الظلام شعاع من النور. واعلم أن لكل طريق نهاية.

اعمل وحارب وقاتل بكل مافيك من إرادة، وإذا فشلت، فاعلم إنما الفشل ماهو إلا بداية لنجاح كبير. وإذا تعثرت، فكن على يقين بأنك ستنهض أقوى من ذي قبل. وإذا وصلت إلى مفترق الطرق، فلا تتوقف، ولكن امض في الطريق الأصلح، العالم لايخلو من القبح؛ وأيضا مليء بالجمال، فلا تجعل من الجمال قبحا، وحاول أن تحول ذلك القبح إلى جمال، كف عن النظر إلى تلك الأشواك في الزهرة، واستمتع بلونها البهي، واستنشق عطرها الفواح، إذا فعلت كل ذلك حتما سينير مابداخلك، وحينها لن يجد الفيروس مفرا من الهرب، ابتسم لتلك العثرات فتختفي، ابتسم للدبابير التي تحوم حولك، تتحول إلى فراشات تحلق فوقك، وتملأ حياتك بهجة، وإن لم تفعل فسيعتريك الموت البطيء، حتى تطالب بالقتل الرحيم، فقط ابتسم وامض وعندها سترضي، وإذا رضيت ستنفتح لك طاقات النور، كن أنت أينما تكن…                                    

عن fatima saleh

شاهد أيضاً

نازية إلكترونية

“أَنا أَفضلُ مِنك” قالها قابيل لهابيل، لم يكنْ يدرك النقاء الداخلي الذي يتمتع به هابيل …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *