الرئيسية / قصص قصيرة / مزرعة الحيوان

مزرعة الحيوان

قصة قصيرة بقلم: إيمان البدراوي

اقتربت الساعةُ على الثانيةِ عشرة، فركت عينها لتبدو شاشةُ الحاسوبِ جليّةً أمامها؛ لا تكاد ترى شيئًا لأنه اليومُ الثاني بلا نوم. بدأ رأسُها يضربه الصداعُ بشدة، عينها مترنحةٌ بين النعاسِ ومحاولةِ الاستفاقة…

فجأةً، أبصرت فتى يركض ناظرًا وراءَه، أنفاسُه عاليةٌ جدًا. اختفى المشهد وظهرت امرأةٌ أربعينيةٌ بملابسٍ قديمةٍ مثل الطفل، تبكي بحرقةٍ قائلةً: «ولدي، ولدي، لماذا فعلتُ هذا؟! عد إلى أمك»

استفاقت (كلوفر) فجأةً من الهلاوس، فرَكَت عينيها بقوةٍ لعلها تتوقف. أمسكت الورقةَ والقلمَ لتكتب: «ما الذي قد يجعل المريضَ يتوهم أن أحدَ أفرادِ عائلته قد استُبدل؟!» ثم دوّنت بعدها أراءها الشخصية بخطٍ حاولت جعله منمقًا…

قررت النومَ قليلًا؛ فجسدُها منهكٌ يحتاج -على الأقل- ساعةً من الراحة. الصداعُ يضرب رأسها، لقد ارتفع ضغطُها مجددًا، تسمع دقاتِ قلبها العالية، يكاد يُقتلع من موضعه، يعلو صوتُ أنفاسِها البطيئةِ الضعيفةِ التي تُجاهد لتُبقيها على قيدِ الحياة، صوتُ يشبه الطرقَ يهاجم رأسها، يزداد، بل يتوحش…

فتحت عينها فوجدت الفتى أمامها مرةً أخرى، ملابسُه رثةٌ قديمةٌ كأنها لا تنتمي لهذا الزمان، يداه ممتلئتان بالجروحِ، ينظر لها بعينٍ مشفقةٍ. استدار فجأةً للخلف وهتف: «اهربي كلوفر، هذا ليس مكانك» ثم اختفى!

تسمرت (كلوفر) بموضع نومها، ترتجف بشدة، حتى أنفاسها ترتجف، يبدو أن النومَ أصبح صعبًا أيضًا..

حاولت الوقوف بصعوبة، حتى جسدُها يأبى الحركة، شُدهت مما يحدث؛ لقد وقفت بمكانٍ آخرٍ غير منزلها، هاجم عقلها مئاتُ الأسئلة:

«ما الذي أتى بها لهذه المزرعة؟! من هؤلاء الأطفال؟! كيف أصبح الليلُ نهارًا؟!…»

نظرت للأرضِ فوجدتها أصبحت أقرب لعينها؛ لقد أصبحت طفلةً! ترتدي فستانًا يعود لزمنٍ آخر.

أمسك -على حين غرة- الفتى بيدها ساحبًا إياها معه، قال:«سأشرح لك كلَ شيء، اهدئي فقط و لا تهلعي»

سارت معه كمن فقد عقله، سمعت صوتًا من خلفها: «هل أنتِ جديدة؟ ليحفظك الله يا رفيقة»

تحدث الفتى: «إنه بوكسر، صديقٌ جيدٌ وأفضلُ من يتحمل العملَ و الآلام» صمتَ قليلًا ثم استطرد -مجلسًا كلوفر على الأرض بإحدى الزوايا الخشبية-: «أنا سنوبول، لقد زُرتك حتى أساعِدك، و حتى تساعدينني»

قالت (كلوفر) بصوتٍ مرتعب: «أساعدك؟! أين أنا؟!»

– «إنها مزرعةُ السيدِ جونز، يلقبها بمزرعةِ الحيواناتِ الأليفة و هذا ما يظنه الناس، لكن الحقيقةَ أنه يستخدمنا بدلًا من اقتنائه حيوانات قد تكلفه ثروة»

بدأت (كلوفر) تهدأ رغم اضطراب عقلها بهذا التشتت، سألته منتبهةً: «كيف زرتني؟! و كيف جلبتني إلى هنا؟!»

ابتسم (سنوبول) موضحًا: «لقد عثرت على كتيباتٍ تمكنني من الاطلاع على السجلاتِ الأكاشية، حاولت بها الاتصال بك، لقد فعلتها من قبل، لكن يبدو أن خللًا ما حدث!» نظر خلفها (سنوبول) ثم قال: «لا أريدك أن تفزعي، لا تخافي سأخرجك كما جئت بك، فقط حاولي ألا تجهدي عقلك»

أمسكت يدٌ غليظةٌ بشعرها الذهبي فجأةً ورفعته للأعلى فارتفعت معها صارخةً، ناظرةً إلى سنوبول مستغيثةً به!

جرّها الرجل خارجَ المزرعةِ إلى بيتٍ كبيرٍ نسبيًا، صرخ بها مستعينًا بوجهه المخيف لتذعن له: «إذا سأَلَتك ستقولين لها أنك هنا منذ شهر، وإذا تفوهتِ باسم سنوبول سأقتلك، أتفهمين؟!»

أومأت له برعبٍ فقط.

في البيت وجدت سيدةً يبدو عليها الثراءُ، تشبه شخصًا عرفته آنفًا لكن لا تتذكر أين؟

قالت السيدة بصرامة: «أرني دماءها!»

أمسك الرجل بيد كلوفر، حاولت الإفلات لكن دون جدوى، يبتعد جسدُها بينما يدُها ثابتةٌ بين يده الكبيرة، أخرج خنجرًا ملطخًا بدماءٍ جافةٍ و جرحَ به معصمها، اقتربت السيدة حاملةً قارورةً زجاجيةً حصلت بها على بعض الدماء ثم ابتعدت ملقيةً إيماءةً توحي بانتهاءِ الأمر، فسّد الرجل الجرح بقطعة قماش متسخة. تحدثت السيدة: «دماؤها جيدة، سأجربها بنفسي، عليك الاهتمام بها قليلًا، اجعلها تسمن حتى أنتفع بجسدها حينما تكبر جيدًا»

أعاد الرجل (كلوفر) إلى المزرعة بحدةٍ مشابهةً لجلبه لها، ألقى بجسدها المرتجف بجانب (سنوبول)، نظرت إليه بعينٍ باكيةٍ كغارقةٍ وجدت قشتَها، نظر لعينها ممسكًا كتفيها لتهدأ، ثم قال بوضوح: «انتبهي، عليكِ أن توقفي النزيف، اجعلي عقلك ينتبه»

نظرت ليدها فوجدتها تنزف رغم وجود القماش، تناقلت نظراتها بينه وبين معصمها، أصوات غناء الأطفال يصدح بالمكان:

(أطفال انجلترا وأيرلندا

أطفال كل البلدان والأجواء

اصغوا إلى بشارتي الجميلة

عن المستقل الذهبي)…

ثم اختفى كل شيء…

~~~~~~~~~~~

فتحت عينها بعد قليل، وجدت نفسها بفراشها، يبدو أنها قد خلدت للنوم، أو هذا ما ظنه عقلها. يدها تؤلمها بشدة، تشعر بسائلٍ دافئٍ يلامس يدها؛ قامت فزعةً عندما رأت الدماءَ تسيل وسدّتها سريعًا بواسطة الأدوات الطبية التي لديها.

عادت لمخدعها مفكرةً بكل ما حدث، تتساءل كيف تحقق الحلمُ؟ أم أنه لم يكن؟!

خلدت للنوم هذه المرة وحتى بزوغ الشمس…

انتهت باليوم التالي من عرض اقتراحاتها بخصوص مشروعها الجامعي الذي يحمل عنوان (توهم كابغراس)، تناقشت مع البروفيسور المشرف على مشروعها، والذي نبهها كثيرًا حتى تتوقف عن الشرود.

استأذنها قليلًا ليُحضر كتابًا محددًا، وأخذ يدندن بما قطع شرودها فجأة:

«حيوانات انجلترا وأيرلندا

حيوانات كل البلدان والأجواء

اصغوا إلى بشارتي الجميلة

عن المستقل الذهبي

عاجلًا أو آجلًا سيأتي اليوم

والإنسان الظالم معاقب»

صرخت بلا وعي: «سيدي، سيدي، خبرني بحق إيمانك، من أين أتيت بهذه الكلمات؟!»

أجاب متعجبًا: «إنها كلماتُ أنشودةٍ خاصة برواية (مزرعة الحيوان)!»

هدأت قليلًا معتذرةً عن تصرفها الأحمقِ، قررت أن تغادر لأن عقلَها مشتتٌ بعض الشيء، وقد وافق السيد (باتريك)…

استقلت إحدى سيارات الأجرة، ثم تذكر عقلها أنه لم ينم جيدًا فبدأ الطرق مجددًا. ابتلع النفق المظلم السيارة، حينها ارتفعت أصواتُ أنفاسٍ خائفةٍ بجانبها على المقعد، أدارت وجهها بحركةٍ بطيئةٍ لتجده بجانبها، إنه (سنوبول)، يضم قدمُه و يديه إليه مرتجفًا، نظرت للسائق أمامها فلم تجده، بل لم تجد أي سيارة! أصبحت بداخل المزرعة. نظر إليها متحدثًا: «الظلام، إنه الخوف الأكبر بهذا العالم، هل تخافينه؟!»

أجابت بالنفي، ثم سألته ما الذي يفعلانه داخل هذا الصندوق؟

– «إنه مكانٌ مخصصٌ بالعقاب، لقد كنا مشاغبين اليوم لذا ألقى بنا السيد جونز هنا»

استعاد أنفاسه قليلًا ليكمل لها كل ما يحدث، خبرها أن البلادَ تشهد الفضائلَ و الإيمانَ بالله بشكلٍ مبالغ به تسبب بتشكيل فسادًا داخليًا لا أحد يتوقعه، بسبب الادعاءاتِ الكثيرةِ والخوفِ على المناصبِ؛ أصبح الجميعُ يخطئ في الخفاء و يُلقي بنتاج خطئه إلى أقربِ مستنقعٍ يناسب هذا الخطأ، وقد استغل الكثيرون هذه الأخطاء؛ فصنعوا من أنفسهم مستنقعاتٍ و محيطات تبتلع الأخطاء وتستغلها كما تشاء؛ فلا أحد سيهمه أمرَ طفلٍ -على سبيل المثال- أتى إلى العالم بطريقة غير شرعية، حتى والده لن يفقد منصبه لأجله؛ وأمه لن تدخل السجن.

قال (سنوبول): «يستغلون دماءنا لصنع مواد لا أعلم كنهها، لكن كل جرح له حدود حتى لا يصيب الطفلَ مكروهٌ؛ يستخدمون الفتيات إذا كبرن لخدمة السادة إن أرادوا انتهاك أجسادهن البريئة…»

صمتَ قليلًا فحثّته (كلوفر) أن يكمل، أردف بحزن: «إذا مات أحدنا…»

تلألأت دمعةٌ بعينه ثم صمت، حينها أُلقي بجوارهما طفلٌ صغيرٌ يسعل بشدة، قال بوهنٍ يتخلله السعال: «لقد عاقبني السيد جونز ثانيةً لأنني لا أستطيع أن أحتمل الهواءَ البارد»

واساه سنوبول قليلًا مُحركًا يده على رأسه، كأنما استحضر مشاعرَ الأبوةِ المبكرة من أجل هذا الطفل المسكين.

راودتني كلماته السابقة فسألته: «لقد استدعيت شخصًا قبلي ليَعرفكم أليس كذلك؟!»

قال سنوبول: «بلى، السيد آرثر، لكن لم يدم الأمر، لقد فقدتُ القدرةَ على استحضاره ثانيةً»

سمعتْ صوتَ الأطفالِ ينشدون مرةً أخرى نفسَ الأنشودةِ بصوتٍ خافت، و اخترق صوتهم صوتٌ عالٍ فجأةً من خارج الصندوق الخشبي الكبير، خرجت لتتبينه فرأت السماءَ كما لم ترها من قبل، هذه المرة السماء مليئةٌ بآلاف النجومِ…

صدح الصوت بالمجالِ مرةً أخرى: «هل هذا هو المنزل سيدتي؟!»

نزلت بعينها لتجد سائقَ السيارة ينظر إليها بامتعاض، قالت بلهفة: «أشكرك سيدي، سأترجل ها هنا»

دلفت إلى العقار ثم إلى منزلها…

طفقت تفكر بسنوبول وما يحدث بالمزرعة الآن وما قاله لها.

«من هو السيد آرثر؟!» هكذا تساءلت، بحثت بحاسوبها عن رجلٍ انتقل عن طريق السجلات الأكاشيةِ بهذا الاسم فلم تجد. تذكرت كلمات السيد (باتريك) بخصوص الرواية؛ بحثت عنها و بدأت بالقراءة؛ التشابه كبيرٌ بين أسماءِ الأبطال وأسماءِ الأطفال بالمزرعة؛ دفعها هذا للبحث عن بياناتِ الكاتبِ و قد وجدت مبتغاها:

(جورج أورويل، الاسم الحقيقي: إريك آرثر)

جالت عيناها بين السطور تأكلها بنهم؛ لتجد أي شيءٍ يجعلها تفهم أكثر، فركت رأسها لتمنع الصداعَ الذي يفسد لحظات تركيزها وينبئها بأن عقلها قد اكتفى بالمعلومات التي لديه.

اقترب رأسه بجانب رأسها ناظرًا إلى شاشة الحاسوب بتركيز، قال: «نعم، إنه هو»

تسمرت بمكانها لا تستطيع الالتفات حتى، أحدهم جذبه بشدةٍ من أطمارِه للخلف؛ فالتفتت فزعةً مجبرةً إليهم، وجدت يد السيد (جونز) تسحبها أيضًا معه، إنهما بداخل المزرعةِ مرةً ثانيةً…

هتف بهما الرجل: «هل تظنان أن بإمكانكما اللهو و التحدث كثيرًا دون عمل؟!»

ألقي بهما فوق كومةٍ من الأخشابِ صارخًا بصوتٍ مخيفٍ: «قبل غروبِ الشمس سيكون خشبُ السنديان هذا جاهزًا للبيع»

ذهب ولم تفهم (كلوفر) ما عليها فعله، لكنها تبعت حركات (سنوبول) حتى اختفى جونز تمامًا. قالت كلوفر: «ألم تفكر بالهرب؟!»

– «لمن أهرب؟! لقد ذهبت أمي!»

– «يا إلهي!! هل ماتت؟!»

– «بل استُبدلت» تغيرت ملامحه قليلًا متذكرًا:

«كنا فقراءً، محبوبين من الجميع، كانت أمي امرأةً صالحةً حتى أتى ذلك اليوم: كانت تبكي بحرقةٍ لأننا لم نتناول طعامًا منذ أيامٍ، حينها غادَرت المنزلَ ولم تعد»

-«و كيف استبدلوها؟!»

– «جاء إلى منزلي الشيطانُ الذي تمثّل بوجه أمي، ملامحُها اللينةُ أصبحت قاسيةً، النقودُ لم تنقطع عن منزلنا، بل انتقلنا لمنزلٍ أكبر وأفضل؛ أما هي فأصبحت أكثرَ عصبية، تمنعني من اللعبِ بالشارع دائمًا، تقيدُني بالغرفةِ المظلمةِ إذا لم أذعن لأوامرها المخيفة، لم تكن أمي، لقد استبدلوها مع الشيطانِ الثري»

قالت: «يا إلهي، أنت مصاب بتوهم كابغراس؟!»

لم يفهم ما قالته فوضحت له بإيجازٍ، ثم سألته كيف عثر عليه جونز بعد كل هذه الحماية؟!

– «لقد هربتُ؛ فقد ازداد حرص الشيطان ألا أذهب إلى أي مكانٍ حتى هربت روحي لجميع البلدانِ و تبعها جسدي، لكنه الحظُ العاثر، وقع جسدي بيدِ شيطانٍ آخر!»

حاوَلت جعله يتناسى ما حدث، حدّثها عن أحلامه مداعبًا أوراقِ الأشجار بالمزرعة بعد انتهائهما من العمل…

قطع مرحهما صراخُ الطفلةِ (موللي): «أرجوك سيد جونز اتركه!»

قال (جونز): «لن أتركه أكثر من هذا، قد ينشر العدوى بالمزرعة»

تبعناه جميعًا لنراه ممسكًا بالصغير، رافعًا رأسه بقسوةٍ، غيرَ مكترث بصراخِه و تألمه بين يديه ورجفةِ جسده الصغير، غيرَ آبهٍ لصراخِ الأطفالِ و توسلاتهم، خلال ثوانٍ قليلة مرر الخنجر الأحمر على رقبته واضعًا صندوقًا أسفله تتساقط به الدماء، كأنه يذبح خروفًا لا أكثر! لا أحد يقترب فمصير الاقتراب معروف، الكلُ يبكي، يبكون فقط بلا حيلة، وجسدُ الطفل ينتفض بين يدي جونز…

سقطت عبرةَ من عين (كلوفر) لترى أمامها شاشةَ الحاسوبِ مرةً أخرى…

حملت حقيبتها مغادرة المنزل سريعًا، محادثةً السيد (باتريك) بالهاتف: «أنا قادمة يا سيدي لمكتبك خلال دقائق…»

بالسيارةِ راودتها هلاوسٌ متكررة: ها هو سنوبول يركض ناظرًا وراءه، يتمتم بصوت أضعف من صوت أنفاسه العالية: «حررني من شرها يا إلهي»

أغمضت (كلوفر) عينها ثم فتحتها لترى السيدةَ الباكيةَ الملتاعةَ مرةً أخرى، قالت (كلوفر) بدهشة: «يا إلهي، فهمت الآن»

ارتفعت أنفاسها هي أيضًا، تجسد سنوبول أمامها ثانيةً، صرخت: «سنوبول!»

تعثّر حينما سمع صوتها و سقط أرضًا، اقترب رجلٌ ضخم الجثةِ منه متفحصًا إياه، قال: «من أنت يا صغيري؟! و ماذا تفعل بالشارع؟!» إنه (جونز)!

ظلت عيناها تتحركان بتوتر إلى الشارعِ حول السيارة، تتنظر الوصول بلهفةٍ، مرددة: «لقد تمكن منه بسببي!» حتى توقف السائق. ركضت داخل العقار حتى رأت السيد (باتريك)، نسمت له ما حدث معها؛ حاول تهدئتها بشتى الوسائلِ، ثم بدأ بتفسيرِ الأمرِ لها..

تحرك (سنوبول) أمامَها ليختفي مع مروره المكتبُ الجالسة به، وتعود فتاةً صغيرةً بالمزرعةِ تتأمل حركته، قال بتوترٍ: «لقد علمتِ شيئًا أليس كذلك؟! »

– «بلى»

– «رأيتُ هذا بعينيكِ، خبريني يا كلوفر ما عرفتِ أرجوكِ»

– «والدتك -التي تظن أنها استبدلت- لم تستبدل، لقد أصابها الثراءَ مع القسوة؛ لأنها…» صمتت قليلًا ثم استطردت: «المسئولةُ عن إدارةِ هذه المزرعة»

حلّ الصمتُ قليلًا، فجأة انتفض (سنوبول) متوجهًا نحو المنزلِ، صرخت به: «ماذا دهاك؟! هي لا تعرف شيئًا؛ امتَنعتْ عن المجيء بعد اختفائك و لم يخبرها جونز بوجودك، حينما ظن أنه جلبني خبرها أنني الطفل الذي وجدوه آنفًا، لا تُجن يا رفيقي أرجوك! أتوسل إليك لا تفعل!» اقتربا من البيتِ، توقف (سنوبول) قليلًا كأنما يفكر، قال: «منذ شهر و أنا أُعامل كحيوانٍ حقيرٍ لا قيمة له، بسبب هذه الشيطان»

أمسكت يده لتمنعه، فجأة خرج (جونز) بمظهرٍ مخيفٍ قائلًا: «ما الذي تعرفه أيضًا؟!»

ظلت نظرات (سنوبول) باردةً حتى توجه (جونز) بناظريه إلى (كلوفر)؛ التفت سنوبول لها ثم هتف: «اهربي كلوفر، هذا ليس مكانك!»

جرهما (جونز) إلى منزله، قيد (كلوفر) الثائرة بأحد المقاعد الخشبية، ثم توجه إلى (سنوبول) بخطواتٍ بطيئةٍ كأنما يتلاعب بنبض قلبه وأنفاسه وأنفاسها، أخرج خنجره الملطخ، قربه من رقبته قائلًا: «لَم يجب أن أتركك من البداية، ظننتك ستنفعني بالعمل، لكنك ستؤذيني بوجودك»

حرّك بقدمِه الصندوقَ الذي سيضع به دماء (سنوبول) ليصبح تحت رقبتهِ تمامًا، صرخت (كلوفر): «لا…».

مرّر الخنجر ببطء ليعذبه و تتعذب مع رؤيته (كلوفر)، تساقطت الأحلامُ من عينها مع كلِ عبرةٍ، ارتجفت شفتاها مرددة: «لا تفعل، أرجوك! لن نخبر أحدًا، اتركه أرجوك…»

انتفض جسد (سنوبول) بعينين متحجرتين موجهتين لعيني (كلوفر)…

~~~~~~~~~~~~

استفاقت على صوت السيد (باتريك): «لم أقصد أن أحزنك، أردت توضيحَ الأمرِ فقط!»

حاولت تجفيفَ دموعها بيدٍ مرتجفة والتي نكلت بمنديلها و لم تجف، قالت: «عذرًا سيدي، أعدِ ما قلته ثانية»

-«قلت لتوي أن الأمرَ تعدّى مرحلةَ الهلاوسِ بقليلٍ، يمكن لهذا الفتى استخدام السجلاتِ لجعلك تشاهدين حياته، لكن ليس بإمكانك تغييرها، لن تعود والدته كما كانت بتدخُلك، ولن يهرب سوى إذا أراد؛ إنه القدر، أنتِ فقط تشاهدين، ربما أراد منك تحقيقَ شيءٍ بعد عودتك! لا أعرف تحديدًا، لا أعرف…»

~~~~~~~~~~

غادرت مكتبه بين البكاءِ والابتسامة، متذكرةً كلمات (سنوبول) المرحة:

– «هل تعرفين لماذا أحضرتك؟ لقد اختارتك السجلات بعد اختفاء السيد (آرثر)، حاولت طلب المساعدة منه لكن، لم أكمل له بقية أحلامي، إنها كثيرةٌ، خبرته أنني أريد أن أتحرر من هذه الحياة، ليتخيلني بطلًا بإحدى القصص ويجعل لي رأيًا قويًا بين الناسِ، لكنه لم يكمل هذا!…»

– «ماذا آملت أيضاً؟!»

– «وددته لو يعرف جميع أحلامي، أريد أن أصبح بطلًا بكل الأزمانِ، أريد أن أكبر مرةً فأصبح سيدًا نبيلًا يحترمني الجميع، عطوفًا على الفقراءِ ولا أحدٌ يُغير من طباعي؛ أريد أن أصبح شابًا يافعًا صالحًا، تحبه والدته البسيطة و يعيشان بسلام بين براثن هذا العالم؛ أريد أن أكون رجلًا طيبًا يتزوج من شابةٍ تشبه والدتي بالسابق؛ أريد أن أغير هذا العالم، أتمنى لو أن لدي منزلًا كبيرًا أخفي فيه الأطفالَ الأبرياءِ من (جونز) وكل (جونز) غيره، هل يكفي هذا؟! »

– «يمكنك أن تتمنى ما شئت، ويمكنك أن تصبح كل هذا أيضًا، على الأقل بمخيلتي ستكون الأفضل سنوبول»…

~~~~~~~~~~~

تذكرّت ابتسامته، نظرت إلى الجرحِ بمعصمها ثم قالت: «لقد انتزعوك من جوفِ شرنقة أحلامك يا رفيق قبل أن تتحور، لكني سأحقق لك كلَ أحلامك مثلما فعل (آرثر) و أفضل، سأعيد السلامَ لروحك يا رفيق، أعدك…»

تمت

 

عن fatima saleh

شاهد أيضاً

قصة (مصارعة الأمواج)

إنها الخامسة صباحًا، حين دق منبهى بلا هواده معلنًا بدء يوم جديد لا أذكر حقًا …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *