الرئيسية / غير مصنف / القصة الفائزة بمسابقة القصة القصيرة

القصة الفائزة بمسابقة القصة القصيرة

لعنة المظلوم

بقلم: محمود زيدان

 بينما كان اﻷبناء يتناولون الطعام الذي أعدته الخادمة، في نهم شديد، كان الوالد في غرفته، ممددا علي فراش الموت، مستلقيا علي سريره الخشبي القديم، عاجزا عن تحريك قدميه، باسطا ذراعيه إلي جانبه، والعرق يتصبب من جبينه.

 ما لبث أن أيقن الرجل أنها علامات الإحتضار، التي طالما كانت فرائصه ترتعد عند حديث الوعاظ عنها، فكان يندس في ركن بعيد، أو يصم أذانه تجنبا لسماعها، ولكنها الآن.. أضحت يقينا فأين المفر ..؟!

 صاح بعدها بصوت متحشرج، وحروف متقطعة، طلبا في استدعاء أبنائه الثلاثة، اﻷكبر جوليان، ثم اﻷوسط ديفيد، وأخيرا جون أصغر أبنائه.

 حضر اﻷبناء تباعا، وقف اﻷكبر علي يمينه، ثم الثاني والثالث علي يساره.

 راح يقلب بصره في وجوههم كالمودع لهم، والدمع ينحدر من عينيه كالسيل الجارف، وجسده ينتفض مثل الشاة المذبوحة، أو كالجرو الذي خرج لتوه من النهر

 ثم قال بصوت لاهث…

 ” أبنائي… ما أريد لكم إلا الخير، فلا تقربوا مال أبيكم، وخذوا حذركم من لعنة المظلوم”

 بعدها شهق شهقة عالية فارق علي إثرها الحياة.

 نظر اﻷبناء إلي بعضهم البعض، تغمرهم مشاعر الحزن، والحيرة، والتعجب من حديث أبيهم.

 بعدها بأيام كان اﻷخوان (اﻷوسط واﻷصغر) يفتشان عن النفائس في متاع أبيهم.. بينما كان يراقبهم اﻷكبر من ثقب الباب..!

 عثر اﻷصغر جون علي مخطوطة عتيقة بالية، تناولها ديفيد سريعا، ولملم أطرافها بصعوبة بالغة… وجد في أعلاها كلمة كنز، وفي حاشيتها ملعون، وبينهما نقوشا تحوي علامات الوصول.

 صاح ديفيد: عثرنا أخيرا علي الكنز

 رد جون في لهفة: هيا بنا نمضي علي عجل

 ترقبا بزوغ الفجر، ثم حملا طعاما علي بعيرهما، وجرتين مملوءتين بالماء، وبعض الثمار الطازجة

 بينما أعد اﻷكبر راحلته، وراح يتعقب سيرهم…!

 بعد رحلة شاقة علي الجميع، بدأت بالسير في الصحراء، ثم التلوي بين منحنيات الجبال، ثم التوغل في أحد الطرق الوعرة، وانتهت إلي الكهف المهجور، وصلوا أخيرا إلى الكنز الملعون.

 علي بعد أمتار من الكنز، ينبوع ماء صغير، نبتت فوقه شجرة فارعة الطول، نقشت عليها حروفا صغيرة، غطتها رمال الصحراء فاستعصت حروفها علي القراءة.

انطلق اﻷصغر جون ليعبئ الجرتين ماءً، ريثما يحدد ديفيد موقع الكنز.

 أدار اﻷخير ظهره للينبوع، وضم قدميه كالمتأدب في حضرة الملك، ثم بدأ يعد خطواته إلى اﻷمام ناحية اليسار قليلا… واحد، اثنان، ثلاثة… إلى أن بلغ العدد عشرين… وبدأ بعدها بالحفر.

 انتصف النهار، وارتقت الشمس في كبد السماء، وتوهجت أشعتها… حتي بدت كأنها تعاقب اﻷخوين .

 أما عنهما فلم يكن شيئا يعنيهم غير الوصول إلى الكنز، أيا كان حجم الشقاء، فاﻷمر حقا يحتمل المخاطرة.

 وبينما كان ديفيد يواصل العمل في بطء شديد بعدما أنهكه التعب، رفع فأسه ليضرب بها اﻷرض، فارتدت الفأس إلى ضاربها، وأحدثت صوت ارتطام شديد، وتطاير الشرر في كل مكان.

 حملق ديفيد في ٱخيه اﻷصغر، ثم هوي كليهما علي ركبتيه، وشرع الإثنان في إزاحة الرمال العالقة.. فأماطت اللثام عن صندوق معدني، متوسط الحجم، علي بابه قفل صدء.

 تولي جون المهمة هذه المرة، فضرب القفل بفأسه فانشطر إلى نصفين.. ثم فتح الباب فإذا به كنز عظيم، ثلثه اﻷول ذهب، والثلث الثاني لؤلؤ، والثالث مرجان، يتوسطهم جوهرة عظيمة، زاغت معها أبصار اﻷخوين عن تلك المخطوطة التي أحاطت بالجوهرة.

 بعد مجهود مضني، ومحاولات فاشلة، نجحا أخيرا في استخراج الصندوق..

 أخذ جون بعناق البعير يريد إناخته، ثم نجح الاثنان في حمل الكنز إلى ظهره.. ولم يكن اﻷمر سهلا، بعدها مباشرة هم اﻷكبر ديفيد يستل خنجرا يريد طعن أخيه، قائلا: لا يسع بعيرنا لرجلين وكنز كبير.

 ولكن يبدو أن اﻷخ اﻷصغر كان متحسبا لتلك اللحظة، فصاح في وجه أخيه قائلا

 خذ ما شئت واترك لي ما يتبقي من الكنز

 رد اﻷكبر: بل سأقتلك أريد الكنز بكامله

 رد اﻷصغر جون: لا تفعل أرجوك، ليس من العدل أن تقتل أخيك من أجل المال؟!

 فانقض ديفيد علي أخيه اﻷصغر ليطعنه، ولكن اﻷخير كان أشد منه بأسا وقوة، فأطاح بأخيه، وطرحه أرضا وصارعه، فوقع الخنجر في يده، وبدأ في توجيه الطعنات النافذة إلى أخيه اﻷكبر..

 ولكن توقف نادما عقب سيل من الصرخات والاستغاثات التي أطلقها ديفيد. ثم هم ليمضي في طريقه؛ فصاح اﻷكبر لا ترحل وتتركني وحيدا في مكان قفر!

 ——-

 فمد اﻷصغر يده إلى أخيه، واستند عليه اﻷخير نازفًا الكثير من دمائه، ساخطًا على حاجته إليه، قال له جون: «أنا خبرتك ألا تفعل كل هذا، هل ظننتني سأتركك تقتلني؟! أحمق!»

 وضع المصاب يده على الشجرة التي وصلوا إليها، محفورة كلمات قليلة عليها (اهرب، لا تتوغل بهذا المكان، أرجوك..! ثم افترش أرضًا واهنًا و قال: «لا تفكر أنك ستنجو بمفردك..

 فإن هذا البئر مسموم ياأخي..

 ثم مال برقبته علي جزع الشجرة ولفظ أنفاسه اﻷخيرة.

من بعيد كان قابعا خلف صخرة كبيرة، اﻷخ اﻷكبر جوليان يراقب كل شيء. تناول سكينا كان يدسها دائما في راحلته، ثم مضي ناحية أخيه اﻷصغر جون، وما إن قارب علي الوصول حتي سقط اﻷخير أرضا جثة هامدة جراء السم.

 تهللت أسارير جوليان، فعاود ملء جرته بالماء، واصطحب البعير، والكنز علي ظهره عائدا الي بيته

 وصل أخيرا، طرق الباب، فتحت له الخادمة، فاستعان بها في جر الصندوق إلى صحن الدار، ثم بعدها خارت قواه، وتبع أخويه في السقوط أرضا، علي حين غفلة، وبدأ يتلوي يمينا ويسارا، وينتفض مثل الكلب المذعور إلى أن فارق الحياة.

 مرت برهة من الزمن، راحت بعدها الخادمة تستكشف ما بالصندوق، فوجدت تلك المخطوطة العالقة

 ( أنا دانيال القاتل، فلتغفر لي يامالك الملكوت، أنا نادم علي ما فعلت، قد غلبني شيطاني، وتجرأت علي الذنب ثلاث مرات، قتلت صاحبي ونهبت أمواله، ثم قتلت زوجته كي لا يفتضح أمري، ثم حملت ابنتهما الرضيعة إلى بيتي وجعلتها خادمة ﻷبنائي جوليان، ديفيد، جون، فلتصفح عني يا إله الصفح والغفران.. فهذه هي اﻷموال التي نهبتها لا حاجة لي إليها ) .

تمت

عن fatima saleh

شاهد أيضاً

هاجر الحاكم ..تكتب

صرخت فيهم بأعلى صوتي بأن كيف لهم أن يفعلوا هذا، كيف يطردوني من عملي وهم …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *