الرئيسية / قصص قصيرة / الخِلُّ الوفيُّ

الخِلُّ الوفيُّ


قصة قصيرة بقلم: نشوة أحمد علي

 

وهل من نعمةٍ في الحياة تضاهي وجود صديقٍ في حياتك؟

أحمد الله أن حباني بهذه العطية، واختار لي صديقًا صدوقًا هو ابن عمِّي ليكون نعم الأخ والخِلِّ الوفيِّ…

-أَتَذْكُرُ يا خليلي، الجسر الذي كنا نعبره سويًّا؟ كان هو الطريق المعتاد لعبور تلك البحيرة الصغيرة في بلدتنا، الأمر الذي كان لصغيرين مثلنا بمثابة رحلة ممتعة، أو مغامرة يومية نقطعها في طريق ذهابنا وكذلك إيابنا من المدرسة، لكنك كنت دائم الركض، وبالرغم من أنني أكبرك بأيام معدودة، إلا أنني كنت أتخذ دور العاقل الحكيم، وكثيرًا ما كنت أحذرك من نتيجة ركضك على هذا الجسر، حتى حدث ما كنت أخشاه، وسقطت يومًا في البحيرة…

 نظرت حولي أتفقد المارة، لم أجدهم، وكأنهم تلاشوا جميعا…

لم أفكر طويلًا وأنا أراقبك تصارع الغرق، ألقيت بنفسي وراءك، ولم أكن أجيد السباحة لأنقذك، لكن ثمة شيء ما دفعني، فإما أن أنقذك، أو لا حياة بدونك، حتى أرسل لنا القدر بكرمه فرقة إنقاذٍ كاملة، مجموعة من الشباب كانوا قد عقدوا العزم على عبور الجسر، سمعوا صراخي، فهبوا لنجدتنا…

لكنك خرجت فاقدًا الوعي، انتفض قلبي لمرآك هكذا، حتى طمأنني أحدهم أنك لازلت حيًّا، وسيقومون بإسعافك على الفور، وبالفعل فعلوا، وعادت أنفاسك لانتظامها، وجعلت أناديك، أستحثك على اليقظة:

-سامح… سامح…

تململ سامح فوق سريره، وجعل يحرك رأسه بإعياءٍ يمنةً ويسرةً…

بينما يستمر محدثه قائلًا:

-أتذكرك الآن وأنت تمثل على أبويك النعاس كلما قمتم بزيارتنا؛ كي يتركوك لتبيت معي، وقد تمكنت بالفعل من خداعهما مراتٍ عدةٍ، كَمْ كنا نضحك من قلبينا على حيلتنا الذكية، متباهيين بذكائنا، وقدرتنا على التمثيل، وحَبْك الدراما حتى يصدق الجميع…

حتى جاء اليوم الذي اكتشف فيه والدك ألعوبتنا، وقرر أن لن يذهب بدونك، وعلي أن أوقظك؛ لتعود معهما إلى البيت، وإلا سيمنعك من زيارتي ثانيةً…

لم يكن بيدي حيلة، واضطررت إلى الإذعان لطلب والدك هذه المرة، على أن نفكر في حيلةٍ أخرى تمكننا من قضاء معظم الإجازة الصيفية سويًّا…   

دلفت إلى غرفتي وأنا أكتم غيظي، واقتربت من سريري الذي كنت ترقد عليه آنذاك، مدعيًا النوم، لم أكن أعلم يا صديقي أنك لجأت لتنفيذ خطةٍ أخرى، لم تخبرني بها مسبقًا، أشهد لك بالذكاء المدمر…

مَنْ يصدق أن مَنْ في مثل سنك وقتذاك، يدسُّ في جيبه أقراصًا منومةً تخص والدتك؛ كي تبتلعها إذا ما أصرَّ والدك على إيقاظك، لقد كنت السبب في قضائنا ليلة مرعبة في المشفى، الذي نقلك والدك إليه فور إطلاقي صرخةً مدويةً تنبئ بوقوع المحظور، عندما حاولت إيقاظك، فلم تستجب، كاد ذكاؤك الذي أوعز إليك باستعمال هذا العقار، أن يجعله سببًا في فقدنا لحياتك…

نعم أعي ما أقول، فحياتك ملك لنا، وعليك بالمحافظة عليها لأجلنا…

لم أصدق أذنيّ عندما حضر الطبيب وأخبرنا بأن حالتك أصبحت مستقرة، بعد خضوعك لجلسة غسيلٍ للمعدة، وأنك على وشك الإفاقة…

تركت الجميع ورائي يتحدثون إلى الطبيب، وانطلقت إلى غرفتك كالصقر؛ لأطمئن قلبي على استمرار وجودك في حياتي…

تسللت وفتحت الباب بحذرٍ، وجعلت أناديك:

-سامح… سامح…

تململ سامح في رقاده، وفتح عيناه، وحاول أن يرفع رأسه، لكن الأجهزة المعلقة في جسده أبت أن تطيعه…

التفت برأسه في اتجاه محدثه، نعم إنه هو صديق الطفولة والصبا، “أكرم”

ابتسم ابتسامةً مبتورةً وجلةً، وحاول أن يتحدث، لكن ثمة جهازٍ يجثو فوق فمه، يمنعه من الكلام، أومأ برأسه، واكتفى بذلك مؤقتًا ريثما يتمكن من التحرر من قيوده تلك…

دنا منه أكرم قليلًا، وقد أفتر ثغره عن ابتسامة سعادة، قفزت من قلبه، ليتزين بها محياه،  واستمر في حديثه، قائلًا:

-لَم أعهدك قبل متخاذلًا خانعًا مستسلمًا هكذا، لِمَ التراجع يا صديقي؟ لم قررت نقض عهدنا؟ ألم تعاهدني أن تقاوم ذلك العدو من أجلي؟

وهنا لم يتمكن سامح من تمالك أعصابه أكثر، ودونما تفكيرٍ، نزع بمنتهى العصبية عن نفسه تلك الأجهزة التي تقيد حريته، فهو لا يحتمل ألا يرد على التهم التي يلحقها به صديقه، نطق أخيرًا، فخرج صوته متحشرجًا متلعثمًا واهنًا، فاقترب أكرم من سريره أكثر، حتى كاد يلتصق به، وسمعه يقول منفعلًا:

-أي عهد؟ ومَنْ نقض العهد؟ بل وأين أنت من ذاك العهد؟

وأردف باكيًا:

-أتذكر يوم علمت بإصابتي بهذا المرض الأليم؟ لقد كانت الصدمة بالنسبة لي أهون بكثير بالنسبة لك، أذكر أنك لم يغمض جفنك ليلتها، وظللت تبكي طوال الليل بجواري معتقدًا أنني نائم، وكنت من يشجعني على التحمل والصبر، ويحفزني على استكمال العلاج كلما وهن جسدي، وخارت قواي وضعفت عزيمتي، لم تتركني جلسةً واحدةً من جلسات العلاج، واعتقدك الجميع شقيقي، وكنت تجيبهم دائمًا: (بل هو ابني)

حتى دراستك أهملتها من أجلي، وما عدت قادرًا على التحصيل، لم تدخر وقتًا ولا جهدًا إلا وَجُدْت عليَّ به…

وعندما تساقط  شعري، تغيبت قليلًا، ثم عدت، سألتك: (أين ذهب شعرك؟)

أجبت: (ذهب ليأتي بشعرك)

ارتفع نحيب سامح، واستكمل قائلًا:

-بالفعل يا صديقي، لم يعد شعرك ثانيةً، ففي تلك الآونة، اكتشفنا إصابتك بنفس المرض، بكيت أنا، وضحكت أنت، لم تنكسر يومًا، ولم يخضعك عدو، كنت قويًّا، بل كنت مبعث القوة…

هنا كان العهد، أَتَذْكُر؟

يوم تعاهدنا أن نتغلب على هذا المرض، وأن نخرج من تلك الأزمة أقوى، وألا نفترق أبدًا، وألا يترك أحدنا يد الآخر، أَلَمْ يكن هذا كلامك؟ أَوَليس هذا هو العهد الذي عنه تتحدث؟

فأين أنت الآن، لِمَ تخليت عني؟ لِمَ استسلمت، وتركتني في منتصف الطريق وحدي؟

مِتّ أنا أيضًا وقتما علمت بموتِك، توقف قلبي يوم توقف قلبك، لِمَنْ أحيا، وقد مات الأمل؟

-كانت آخر جلسات علاجك، قطعت شوطًا طويلًا، فلا تضيعه، ستجد أملًا آخر تحيا من أجله، لازلت صغيرًا، فلتَتَمَسَّكْ بالحياة…

قال طيف أكرم هذه الكلمات، فنظر إليه سامح مستمرًّا في حديثه، وكأنه لم يسمعه:

-كانت آخر جلسة علاجٍ، وكنا قد تعاهدنا على الاحتفال بعدها، ولكن دائمًا تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن، كنتَ مريضًا جدًّا، وصحتك تتأخر، وكنت أرفض استكمال جلستي إلا بعد الاطمئنان عليك، لكنك ألححت على مغادرتي، وتلقي جلسة علاجي الأخيرة…

أذعنت لرغبتك، كما كنت أفعل دائمًا، وقبل بدْء الجلسة، تَلَّقَيْت نبأ وفاتك، الذي حملته لي الممرضة التي كانت تقوم بمساعدتك في الغرفة المجاورة لي، لم أدرِ بنفسي إلا وأنا أشاركهم حمل نعشك، وأودعك قبرك، وأبكي فراقك…

ثم… ثم…

ثم ما تراه بعينك…

خبا طيف أكرم الذي كان يحادثه، وعلا صوت أزيز أجهزة غرفة العناية الفائقة حيث يرقد سامح…

دلفت الممرضة على أثر أصوات الإنذار تلك، ونظرت إليه في رعبٍ، ثم أسرعت باستدعاء الطبيب، الذي استجاب على الفور، وتفحصه جيدًا، ثم أطرق برأسه، وقال بتأثرٍ شديد:

-البقاء والدوام لله…

 

عن fatima saleh

شاهد أيضاً

قصة (مصارعة الأمواج)

إنها الخامسة صباحًا، حين دق منبهى بلا هواده معلنًا بدء يوم جديد لا أذكر حقًا …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *