الرئيسية / قصص قصيرة / الجريمة العارية

الجريمة العارية

القصة الفائزة بالمركز الأول بمسابقة القصة القصيرة

بقلم: دعاء إمام

استند عليه نازفًا الكثير من دمائه ساخطًا على حاجته إليه ، قال له جون: “هل ظننتني سأتركك تقتلني؟ أحمق”.

وضع المصاب يده على الشجرة التي وصلوا إليها ،محفورة كلمات قليلة عليها: “اهرب لا تتوغل بهذا المكان، أرجوك “،ثم افترش أرضًا واهنًا،وقال:” لا تفكر أنك ستنجو بمفردك…..”.حدق به جون مندهشًا قائلًا:”لن أنجو بمفردي ,ماذا تقصد إدوارد ؟”.

أجابه إدوارد بعد أن تقاتلت الأفكار في رأسه، وأخيرًا انتصرت فكرة المراوغة؛ فقال: “حتمًا سيلاقيك جندي، ويقبض عليك متلبسًا، يدفئ جيبك أموال الموتى من الجنود الذين تنقب في ملابسهم عن كل غالٍ ونفيس”.

رد جون في حنق: “وماذا فعلت أنت؟”، زم شفتيه متعجبًا: ” تقاتلني؛ لتسرقها .لم ينقذك من يدي إلا ذاك الجندي الراكض خلفنا، لو صبرت قليلًا؛ لكنت جنيت الكثير من المال، ووهبتك ما يكفيك ويزيد ،عليك اللعنة”.قالها ،ومكث يلتقط أنفاسه.

ظلت سحب التفكير تحلق في رأس إدوارد إلى أن أضلته لخطة قاتلة: فهو يعلم جيدًا معاناة جون من داء القلب، وإن توغل كثيرًا سيرى الكثير ربما الحيات، أو أحد الوحوش الضارية، أو حقل ألغام؛ فإن لم يمت منها مات بقلبه؛ فراودته نفسه: إن ضللت جون ؛سلمته إلى أحضان الموت بيدي دون أن تتلوث يداي بدمه؛ واستحوذت على المال وحدي بلا منافس، ولكن كيف سيدع المال ،ويتوغل في أرض الهلاك؟”….طرقات الباب توقظ شروده، فقال: “إيزابيلا، ألم أقل لك :اتركيني بمفردي”.

ردت باندهاش:” جيمس، أنت من قلت لي: أعدي لي فنجان قهوة”.

أومأ جيمس:”دعيه هنا على المكتب “.

ردت إيزابيلا : “ماذا تقرأ جيمس؟”.

امتعض قائلًا: “أقرأ قصة ،لا شأن لك بها”.

ساد الوجوم لدقائق ،فقطعته إيزابيلا قائلة: “جيمس ،إن الديون تراكمت، ولم نعد نملك حتى طعام الغد؛ فماذا أنت فاعل؟”.

أجابها:”حبيبتي إيزابيلا، لنصبر قليلًا، غدًا أفضل لا تقلقي”.

قطع حديثهم صوت قرع الباب ،فتحت إيزابيلا قائلة في ضيق:”هنري، تفضل”.

دخل غرفة المكتب؛ فامتعض جيمس، ولكنه تصنع الابتسامة قائلًا :”مرحبًا هنري، تفضل”.

قال هنري في انفعال :”جيمس ،إن لم تدفع ديونك؛ سأضطر إلى شكايتك وحبسك، أظننت أن تلهو بالقمار، و تقترض المال؛ لتغرقني بالديون “.

قال تلك الكلمات، وانطلق من حيث أتى، وترك أثر الكلمات يذيب عقل جيمس، ويدمره .

ومع بزوغ بريق الشمس رن جرس الهاتف، ردت إيزابيلا :”مرحبًا “،”نعم” .”ماذا؟ “،صرخت:”جيمس”. ألقت سماعة الهاتف، وانطلقت نحو المشفى الذي وصفه لها المتحدث عبر الهاتف، كانت كورقة في

سيل الديون الجارفة؛ ماذا ستفعل؟ تلقت نبأ وفاته من الموظف المسئول في المشفى، وعرض عليها أوراقه، وبطاقة الهوية ،تعرفت على جثته في المشرحة، أخبرها الموظف المسئول بمكان الوفاة، لقد توفي إثر أزمة قلبية.

عادت إيزابيلا تجر أذيال الخيبة والحسرة، وتودع ذكريات جيمس زوجها الحبيب، وتحدث صورته المعلقة في غرفتهما في شجن :”جيمس حبيبي لِمَ تركتني، وتركت أولادك :ليو، وماكس الحملين الوديعين، وذلك القط المشاكس الصغير لوكي” …

ومرت الأيام على إيزابيلا بطعم الحنظل…وبعد أن أقام مراسم دفن جيمس أخوه التوأم روبرت، لفت نظرها ذلك الأخ الذي ظل يرمقها كثيرًا ؛أينوي الزواج بها، لِمَ لم يتقدم لخطبتها إلى الآن؟!.وبالرغم من ذلك لن توافق؛ فحب جيمس لم يخمد في قلبها ..

وما كل هذا الجود الذي نضح به فجأة!.كثيرًا ما رجاه جيمس لسداد ديونه ،و لكن دون جدوى، بل والأدهى من ذلك أن ضن عليه بميراثه حينما اشتعل غيظه ؛لما علم أن جُل ديون جيمس من القمار ؛فأوصى بالتبرع بذاك الميراث للجمعيات الخيرية !!.

ربما كانت صدمة أخيه هي التي أعادت له قلبه… ولماذا لم يتزوج صوفيا حبيبته إلى الآن ؟!.

كل تلك الأسئلة صالت في عقل إيزابيلا..

لكن روبرت كان يأسر قلب صوفيا عشقته؛ وقررا الزواج . ..التقى بها يومًا بعد أن زار زوجة جيمس، وأولاده الثلاثة.

خاطبته صوفيا في ألم: “ما بك روبرت؟ ،لم تعد كما كنت، كلمات الحب التي كنت تغدقها عليَّ لم تعد تلامس شفتك”.

رد روبرت في حيرة: “لا صوفيا حبيبتي ،لقد أبعدتني عنك مشاكل العمل ،قريبًا سأتفرغ لك حبيبتي “.

رمقته بريبة، ثم قالت :”حسنًا”.

أنهى زيارته تلك مودعًا صوفيا، لكنها لاحظت شيئًا عجيبًا :هدية روبرت هذه المرة فستان أزرق اللون! ذلك اللون الذي يبغضه، بل ولم تكن هي من عشاقه!..

أثارت ريبتها أفعاله المتناقضة مع طباعه الفائتة؛ فدبرت له حيلة لم ترد له على خاطر ..

أعدت له سهرة رائعة تناول الخمر إلى أن غاب في دوامة سكره، اصطحبته في سياراتها إلى المشفى القريب، أجادت حبك القصة التي اخترعتها؛ لتقنع الطبيب؛ لإجراء رسم قلب لروبرت؛فهو زوجها المسكين الذي يكره الطب والأطباء، ويعاني من زيادة نبضات قلبه، لكنه يأبى العلاج، ويهمل في صحته.

وكان ما أرادت، وكادت أن تجن لما علمت النتيجة؛ روبرت ذو قلب قوي لم يمرض قط!!.

حسبت أن هناك خطأ ما؛ خاطبت الطبيب، لكنه أكد لها أن قلب روبرت سليم مئة بالمئة!.

أيقنت الآن أن روبرت الحالي هو جيمس سابقًا، فكيف تتصرف الآن؟!.

لم يعد هناك سبيل آمن إلا أن تبلغ الشرطة؛ فخطط الضابط المكلف لفكرة التسجيل الصوتي لجيمس؛ حتى يتسنى لهم إثبات جريمتي: انتحال الشخصية،والاستيلاء على ثروة روبرت.

كل شيء معد في بيت صوفيا، روبرت متكىء على الأريكة، و في مواجهته صوفيا،قالت في لؤم: “جيمس”، أجابها مصدومًا : “جيمس مات، أنا روبرت، ما بك صوفيا ؟!”.

ردت صوفيا: ” جيمس أزح الغطاء عن غموضك حبيبي ؛فطباعك تشبه جيمس لكنك تتصنع وتذوب في بحر روبرت رجل الأعمال الناجح، وقلبك هذا لم يتألم قط مثل جيمس ..

أيعقل أن تعيش بوجه روبرت، وقلب جيمس؟!”

تعرق جبينه، وارتبك، ثم حاول السيطرة على نفسه قائلًا: “أنت تعلمين أني أعاني مرض القلب “.تعالت ضحكاتها: “نعم”، ثم أخرجت صورة الأشعة، وناولتها إياه قائلة: “وهذا تقرير الطبيب :روبرت صاحب القلب القوي”، وانفصمت لبرهة ،ثم قال: “إذن ماذا تريدين؟”.

جرت ضاحكة؛ بينما حاول هو تمزيق التقرير؛ فنظرت إليه ساخرة: “لدي الكثير منه”.

حدقت بزوايا وجهه قائلة: “من أنت؟!”.

فقال:” أنا جيمس،لكنني أقسم لك أني لم أقتل روبرت، لقد هيأ لي القدر ما لم أكن أحسبه؛ فقد داهمته الأزمة القلبية، وأنا بصحبته؛ فسيطرت عليّ فكرة انتحال شخصيته؛ فالديون كانت تتراكم علي يومًا تلو يوم؛ كادت تسحقني”. قال تلك الكلمات، والدموع تتدفق من عينيه،وسرعان ما التف حوله أفراد الشرطة،

وخاطبه الضابط منتصرًا في ثقة: “اعترافك مسجل؛ وأنت متهم بانتحال شخصية روبرت، والاستيلاء على ثروته

عن fatima saleh

شاهد أيضاً

قصة (مصارعة الأمواج)

إنها الخامسة صباحًا، حين دق منبهى بلا هواده معلنًا بدء يوم جديد لا أذكر حقًا …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *