الرئيسية / قصص قصيرة / أمي تكذب … قصة قصيرة بقلم: نهلة الهبيان

أمي تكذب … قصة قصيرة بقلم: نهلة الهبيان

إذا ما ضن علينا الوطن بالأمان فيكف تحلو لنا الحياة؟

 حينها لا سبيل لنا سوى أن نسبح في بحر الأحلام، نمني أنفسنا بأن أحلامنا هذه  قد  تعبر بنا إلى شاطئ الواقع يوما وترسو عليه مدى الحياة ..

هناك في تلك البقعة التي ارتوت بدماء أبنائها حتى ذهب عنها العطش؛ بل واختزنت بأوردتها و شرايينها ما يكفيها لمئات السنين.

 تجلس الصغيرتان يرتعش جسديهما من  الخوف الذى استبد بهما وأسر قلبيهما…  تحاول الأخت الكبرى أن تمارس دور الأم في محاولة منها لتهدئة صغيرتها فتحادثها :

– لا تبكي صغيرتي … اسكني إلى دقات قلبي .. أنصتي إليها .. إنها تعزف لك  لحن الأمان، لا تخافي سيعود أبوانا عما قريب. قد قالا لي قبيل رحيلهما أنهما قد ذهبا ليبتاعا لنا وطنا جديدا؛ بدلا عن ذاك الركام الذي نقبع بين جدرانه المُهشمة؛ ورماده المبعثر هنا وهناك .. لقد وعدتني أمي بذلك ذات يومٍ؛ ويبدو أنها ذهبت تشتريه لتفي لي بوعدها .. فلننتظرهما حتى يأتيا ..

أعلم أنهما قد تأخرا بعضا من الوقت، لا تخافي؛ لعل أفئدة من الناس تَهْوِي إلينا لتؤنس وحشتنا هذه، وريثما يحدث ذلك سأحكي لك عن ذاك الوطن الجديد ..

لقد رسمت له صورة بمخيلتي وسأصفها لكِ صغيرتي ..فاهدئي و أنصتي…

إني أراه وطنا جميلا، قد غطت أرضه الحشائش الخضراء المزينة بزهر الفل والياسمين وأزهار الأقحوان و الأوركيد، لكم أعشق رائحتهما العطرة! وبين جنبات الأشجار المورقة سنركض سويا. نتسابق أينا يصل إلى تلك البحيرة الصغيرة لنرى الأوز وصغارهم يسبحون فوق صفحة مائه العذب…

على حافتها نرى الفراشات الملونة تحلق فوق رأسينا، لتنثر علينا من رحيقها العذب الذى ارتشفته للتو من ورود الوطن الخلابة …

أتعلمين صغيرتي لكم أعشق افتراش الحشائش الخضراء! وعلي صفحة وجهي تنحني الورود لتلامس بتلاتها الحانية وجنتيَّ فتهديني قبلة الحياة …

ثم نطرب لشدو البلابل فوق الأغصان وهى تغنى لنا أجمل الأشعار ..!!

أتتخيلين معي أسراب الحمام حين تسبح بين أمواج السحاب هناك بأعالي السماء تتراقص على وقع أنغامها …حقا ..ما أبهاها!

يا الله! لكم أشتاق إليك يا وطني الجديد! …

أتهفو نفسك إليه أنت الأخرى يا صغيرتي؟

لمَ لا تجيبينني؟!

حسنا حسنا …

أرى أهداب عينك قد احتضنت أحلامك وأوقعت بك في فوهة نوم عميق. نومًا هنيئًا يا صغيرتي …

لقد بدأت أستوحش المكان ….أين أنتِ يا أمي؟

فهلا عجّلتِ أبي بالعودة …

لقد جنَّ علينا الليل بعتمته .. وأسدل ستائره السوداء ولم تأتيا بعد …ولم تهوِ إلينا نفس حتى الآن. إنني خائفة يا أمي، هلا أسرعتما العودة. حتى الجوع بدأ ينقر أحشائي، وليس معنا أي طعام يمكننا أكله.

ليتكما أخذتمانا معكما في رحلتكما لشراء الوطن الجديد، ولم تتركانا وحيدتين هنا ….

غلبها النوم هي الأخرى فاستسلمت له كأختها، يغوصان بأحلامهما الوردية التي قد تنسيهما مرارة الواقع ولو لبعض الوقت.

انقشع الظلام بعتمته وبدأ نور الصباح يلوح في الأفق ومن خلفة  الشمس في طريقها لتنثر على الفتاتين نورها …

تصحو الصغيرة من نومها لتستهل الصباح ببكاء شديد، تسأل شقيقتها عن طعام تسد به صرخات الجوع التي تتزايد ببطنها الخاوية، تستيقظ الأخت الكبرى على بكائها وصراخها وتحاول أن تهدئ من روعها ولكن هذه المرة لا تستطيع أن تجيد القيام بدور الأم؛ فقلد تعبت هي الأخرى وبلغ منها الجوع مبلغه واستبد بها الخوف والوحشة، على الرغم من تسرب بعضا من آشعة الشمس إلى البناء المهدم الذي يقبعان بداخله …

قامت تبحث وسط الركام وتحت الأنقاض عن طعام علها تعثر على كسرة خبز تسد به رمقها ..

تجوب المكان ذهابا و إيابا وفى إحدى محاولاتها تجد حبات من البطاطا المشوية بعضها قد دُهس والبعض الأخر لازال محتفظا بحالته لكن قد كستها ذرات التراب .. نفضت ذرات التراب عن بعضها لتطعم صغيرتها وأثناء قيامها بانتشال حبة كانت تبدو و كأنها سليمة ليصيبها الذهول من هول ما رأت ، أخذت تصرخ وتصرخ حتى كاد الصراخ يهز أرجاء المكان. لقد وجدت ذراع أمها متدلٍ من تحت إحدى الجدران المهشمة  ممسكة بيدها حبة من البطاطا المشوية

أخذت تنادي :

– أمي …أمي، ألا زلتِ بالمطبخ تطهين لي البطاطا المشوية كما طلبتها منك أمي؟ ألم تذهبي لتبتاعي وطنا كما ظننت؟ أمي لما كذبت عليَّ وقلت أنك ستأتين لنا بوطن جديد كلما شكوت لك قسوة وطننا؟ أجيبيني يا أمي، أنائمة أنت  يا أمي؟ ..أجيبيني !

أخذت تسرع الخطى تجوب أرجاء المكان، تبحث عن شخص آخر ربما كان هنا بالبيت مع أمها حين تهدم بالأمس، تذهب بأقصى البيت بالقرب من غرفة المكتب، فإذا به جثمان أبيها راقد بجوار أحد الجدران المهشمة تتناثر عليه بعضا من الصخور التي تساقطت من السقف جراء القصف الوحشي الذي نال من بيتهم  و حوله بعض الأوراق متناثرة ملطخة بدمائه ومخطوطة كلماتها بمداد أسود قد خالطه الدم والرماد.

لم تتمالك نفسها وأخذت تصرخ وتصرخ وهي تحاول إزالة بعض الصخور عن جثمان أبيها، ولكن محاولاتها باءت بالفشل؛ لم تمكنها بنيتها الضعيفة من النجاح في ذلك. شرعت  تنفض الغبار عن الأوراق المبعثرة على الأرض …

كانت الطفلة الصغيرة قد انفطر قلبها من كثرة البكاء، أخذت تنادي على أمها تارة وعلى أبيها تارة وعلى  شقيقتها الكبرى تارة أخرى …

في تلك الساعة من الوقت كان أفراد من فريق الإنقاذ ( أصحاب الخوذ البيضاء ) تجوب أرجاء المدينة،  تتفقد المنازل المهدمة إثر عمليات القصف الأخيرة يسترقون السمع للأنَّات المدفونة تحت ركام المباني المهدمة. وصل  لمسامعهم صوت بكاء الصغيرتين قادما من بين جنبات  الحطام؛ فأسرع أعضاء الفريق الخطى للوصول إلى مصدر الصوت، ليعثروا على الفتاتين.

حمل أحدهم الصغيرة بسرعة خارج المكان محاولا تهدئتها، وتوجه آخر للأخت الكبرى المنكبة على أوراق أبيها تبكي وتصرخ.

حاول المنقذ أن يحملها ليبتعد بها هي الأخرى، ليجدها قابضة بكلتا يديها على بعض الأوراق وتنتحب بشدة وهي تردد آخر حروف سطَّرها أبوها قبيل رحيله عنهما.

” حدثيهم يا فتاتي…

عن آنين بات عزفا ينزف لحن الأمان

حدثيهم يا فتاتي …

عن سكون بين طياته ألف صوت للكلام

حدثيهم يا فتاتي …

عن دموع الكرامة تستجير من بطش اللئام

حدثيهم يا فتاتي …

عن رفاتٍ بات ثوبا لكل مولود بأرض النزال

حدثيهم يا فتاتي …

عن وطن تجرع الذل كؤوسًا ولازال يعاني الهزال

حدثيهم …حديثهم… حدثيهم

عل يومًا يفوِّقُ

النومَ قرعَ طبول الحرب من أجل السلام.

تمت

 

عن fatima saleh

شاهد أيضاً

قصة (مصارعة الأمواج)

إنها الخامسة صباحًا، حين دق منبهى بلا هواده معلنًا بدء يوم جديد لا أذكر حقًا …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *