الرئيسية / قصص قصيرة / قصص / يتيم وسط الذئاب

يتيم وسط الذئاب

بقلم/ نشوة أحمد علي

 

أدهم… طفلٌ فقيرٌ يتيمٌ الأبوين، فقد أباه قبل أن يُطِلُّ برأسه على تلك الحياة، كما لحقته والدته خلال أسابيعٍ بسبب حمى النفاس، وكان هذا تعبير الحياة عن مدى ترحابها بوجوده… تطوعت ” صباح” – إحدى جاراته – بتربيته ، فعاش معها في بيتٍ قديم قِدَمِ الحيِّ الشعبي الذي يسكنون،  وكانت وحيدة،  لم يُكْتَب لها الزواج ، فآثرتْ أن تتخذه ولدًا، وكانت تشعره بالأمان رغم فقرها، فهي غنيةٌ بعطفها وحنانها، وتملك قلبًا يفتقده الكثيرون…  يكفي أنها كانت تصد عنه أيادي وألسنة الذئاب من حوله، الذين كانوا يتحينون الفرص ليعبروا عن مدى تطيِّرهم به، زعمًا منهم أنه كان سببًا في موت أبويه… يعلم كل من يقطن هذه الأماكن أنه لا يعيش فوق الأرض، وإنما تحتها، في أحد سراديبها، المنعزلة عن بقية الشعب رغمًا عنه؛ فمَنْ منهم يفكر أن يزور أيًّا من هؤلاء أو يصادقهم؟ هم من وجهة نظر الأغنياء – ممنْ يعيشون فوق الأرض -، لا يرتقون إلا لخدمتهم… مرَّ العام تلو الآخر، واستطاعت صباح أن توفر له القليل من المال الذي يساعده على العيش الكريم، وعندما وصل إلى سِنِّ التعليم، ما بخلت عليه بأن تلحقه بالمدرسة… ظهر عليه علامات الذكاء في تلقِّي دروسه، بل وسبق كل زملائه في التحصيل، مما دفعهم إلى الغيرة الشديدة منه… تمكن أدهم من الحصول على شهادته الابتدائية بتفوقٍّ كبيرٍ، فرحت صباح به فرحًا شديدًا، وكأنه ابنها بالفعل، وها هي تتلقى أولى ثمار حرثها، فأعطته حفنةً من النقود، وأوعزت له بالخروج للتنزه؛ مكافأةً له على تفوقه… ولأنه لم يكن لديه أصدقاء، فقد قضى فسحته وحده، غير آبهٍ بوحدته؛ فقد تعودها، وصارت صديقته… قضى أدهم سويعاتٍ قليلة خارج المنزل، بل والمنطقة كلها، وعندما اقترب من منطقته، بدأت تتسرب إلى أنفه رائحة ترابٍ شديد، كانت تتزايد كلما اقترب من شارعه، مختلطةً بأصوات صراخٍ لا يعلم سببها، ولا مصدرها… تسلل إلى نفسه شعورٌ بالخوف، فأكمل مسيره وقدماه ترتعدان؛ فكلما اقترب اتضح الصراخ، وعلا صوت الأنين، وزادت سحب التراب… وصل أخيرًا، إلى بيته، لكنه لم يجده شامخًا بانتظاره كعادته، فقد أضحى كومةً من التراب… وما لبث أن استفاق إلى جسدٍ مسجيٍّ إلى جوار الكومة، اندفع إليها اندفاع الصقر، ملقيًا نفسه بين أحضانه، ولكن هذا الجسد لم يلف ذراعاه حوله كعادته، فاستنكر ما يرى، ونظر إلى وجهها في تساؤلٍ ملؤه الصدمة، ومسح التراب عنه، واندفع يقبله، راجيًا إياها ألا ترحل، تاركًا في قلب كل من رآه جرحًا عميقًا نازفًا، لا يندمل… تعاطف الحضور مع ذلك البريء الذي فقد أمه للمرة الثانية، وهموا بإبعاده، ومحاولة تهدئته… قضى أدهم ليلته باكيًا فوق الأطلال، تائهًا ما بين ماضٍ أليمٍ، ومستقبلٍ مجهولٍ… ألح عليه جيرانه بأن يذهب إلى أحد منازلهم، هربًا من ظلمة الليل، ووحشته، لكنه آثر هذا المكان، الذي لم يألف غيره، ولكن بعد إلحاحٍ شديدٍ، أذعن لرغبتهم، وقضى ليلته قابعًا في أحد الأسِرَّة التي يتزاحم عليها أبناء جارته، شأنهم شأن أمثالهم في هذه الأحياء الشعبية القديمة الفقيرة… وعندما حلَّ الصباح، استيقظت الجارة، لتتفقد أبناءها وضيفها، فلم تجده… فهبَّت إلى الخارج، حيث أنقاض بيته، ولكن لا أثر له أيضًا، دقَّت أبواب الجيران، واحدًا تلو الآخر، ولا أثر لوجوده… بينما كان أدهم شاردًا، هائمًا على وجهه في الشوارع، لا يعلم إلى أين وصل، فقد استغلت قدماه شرود عقله، وأمسكت بدفَّة القيادة، ومشت على غير هدى… وأخيرًا انتبه هذا الطفل على صوت معدته، فقد آلمها الجوع الذي تعمد تجاهله لفترةٍ قدر استطاعته… التفت حوله، فإذا به في منطقةٍ مزدحمةٍ، مما يدل على أنه وسط القاهرة، فهناك الكثير من المحال التجارية، والمواصلات، المأهولة بالبشر، وروائح الطعام في كل مكان، وأيضًا الباعة الجائلين… وقع اختياره على أحد المطاعم المتواضعة، فدلف إليه، وابتاع بعض المأكولات بما تبقى لديه من مكافأة تفوقه التي منحتها له فقيدته الغالية… جلس على الرصيف، ملتهمًا طعامه، متفقدًا ما حوله، استفاق من شروده، وكفكف دموعه، وقد فوجئ بالمساء يحاول على استحياءٍ اسدال ستائره القاتمة… يا تُرى… إلى أين يذهب؟ وهل بقي له أحد؟ هل يعود إلى جيرانه الذين أشبعوه معايرةً وسبًّا؟ ظل على حالته تلك، إلى أن غلبه النعاس، فتقوقع على نفسه، محتميًا من براثن البرد التي تنهشه، وراح في سُباتٍ عميقٍ… ولكنه استفاق من نومه في ظلمة الليل، متأملًا الرصيف، فوجد أنه قد امتلأ بأقرانٍ له نائمين، متوسدين الرصيف، ملتحفين بالسماء… فتساءل في نفسه:  -أَكُلُّ هؤلاء، قد غدرت بهم صباح، ورحلت عنهم؟ تسلل الخوف إلى نفسه، وفرَّ النوم من عينيه، عندما قفز إلى عقله سؤالٌ: -وماذا بعد؟ ماذا عن الغد؟ هل سأتخذ من الرصيف بيتًا لي؟ ولأول مرةٍ يشعر باليتم، بل إنه في هذا الشأن محظوظٌ؛ فقدْ فَقَدَ أبٌ وأُمَّيْن… لاح الصباح، واستيقظ جيرانه من نزلاء الرصيف، وفي حركةٍ روتينيةٍ، كلٌّ تخير وجهته وانصرف، مثنى وفرادى، أو في مجموعاتٍ… عدا طفلٌ واحدٌ يبدو أنه يكبر أدهم بسنواتٍ قليلة، ظلَّ يراقبه من بعيدٍ، وكأنه ينتظر الفرصة ليحادثه… وبالفعل… خلال دقائق، كان يجلس إلى جوار أدهم، وقد استجوبه، وعرف قصته… هذا هو حامد، الذي فرَّ من بطش زوج أمه، وظلم زوجة أبيه، الذي وجد في أحضان الشارع حنانًا لم يجده بين عائلته… قرر أن يساعد أدهم، فأشار إليه أن يتبعه، فمشى أدهم إلى جواره، مسلِّمًا إياه نفسه، فما عاد لديه شيءٌ ليخسره… أخرج حامدٌ من جيبه فوطة صفراء، واندفع بها إلى إحدى السيارات، مستغلًا وقوفها في إحدى الإشارات، وهمَّ إلى زجاجها يمسحه، ثم عَمَد إلى السائق، ومدَّ يده بمنتهى الذل طالبًا أيَّ شيءٍ يَمُنُّ به عليه، فتجاهله الرجل، فألحَّ عليه في طلبه، حتى نهره، ولما لم يجد منه رجاءًا، فسبَّه غيظًا، وقذف الزجاج بطوبةٍ، وفرَّ هاربًا… تعجب أدهم في بداية الأمر، لكنه ما لبث أن تعود، فقد كان يتكرر هذا الموقف دومًا، وسرعان ما انخرط في الأمر، وحمل فوطته الصفراء، وحاكى حامد في مهنته؛ فلا مجال للحصول على لقمة العيش إلا بهذه الطريقة… مرّتْ أسابيعٌ، وهم على نفس الحال، حتى تعرف حامد على شابٍّ يكبرهم سنًّا يدعى “مصطفى”، كان فتىً أسمر طويل القامة، صافِ البشرة سوى من جرحٍ غائرٍ يعلو جبينه… عرض عليهما أن يعملان معه، فقبلا دون نقاش؛ فقد تعبا من كثرة الجري وراء السيارات، وتحمل الإهانات، لدرجة أنهما لم يخطر ببالهما أن يسألانه عن ماهية هذا العمل…  اصطحبهما إلى حوارٍ وشوارعٍ ضيقة، حتى أنهم كانوا يضطرون أحيانًا للسير وراء بعضهم؛ نظرًا لضيق الشوارع، حتى وصلوا إلى بيتٍ كبيرٍ شبه مهجور، اضطروا لنزول سلالم كثيرة للوصول إليه، فهو بالفعل تحت الأرض، يشبه القبو، وكأنه كان مصنوعًا للهروب من الغارات أثناء الحروب، كما كانوا يشاهدون في الأفلام القديمة… هناك في هذا الوكر، شاهدوا أطفالًا بمختلف الأعمار، فمنهم مَنْ هم يكبرهم، ومنهم من يصغرهم، وهناك ، فتياتٌ، ونساءٌ يحملن رُضَّعًا، وأيضًا بعض الشباب… لكن الكثير من هؤلاء يملك إعاقةً معينة، فمنهم من فقد يده، ومنهم مَنْ فَقَدَ اثنتيهما، وآخر فاقدٌ ذراعًا، وهذا لا يملك قدمًا، وهذا كفيف، وذاك أصمّ، وأبكم… كلهم متسخ الثياب والجسد، مكسورٌ، ذليل النفس، القويُّ منهم يلتهم الضعيف، نظراتهم تحمل أشياءًا من داخلهم، كالغضب، اليأس، الحقد، المرض، الذل، الحاجة، الاضطرار، الضعف… ظل أدهم يتفقدهم الواحد تلو الآخر، كما تفقد المكان من حوله، فهو خالٍ إلا من البشر، لكن بتدقيق النظر، تجد بعض إطارات السيارات، القديم والمكسور والمُهْتَرئ من الأثاث، كبعض المقاعد، والأقمشة البالية، والحبال والأكياس، وما إلى ذلك من أشياء معدومة القيمة والفائدة… جال ببصره إلى أن أتى رجلٌ، غريب الأطوار، لا تستطيع تحديد ملامحه من كثرة الجروح الغائرة في وجهه، وكأن خريطة عُمْرِهِ حفرتها السنون فوق سِحْنَتِه… هبَّ مصطفى من مكانه فور قدومه، مقبِّلًا يديه، مُقَدِّمًا إليه أدهم وحامد… رحب جابر بكليهما، وأسرَّ إلى مصطفى بعض الكلمات، فانصرف على إثْرِها، مشيرًا إليهما أن يتبعانه، وقد فَعَلا… عمد إلى جوالٍ كبير، ففتحه، وأخرج صُرَّتَيْن، وألقى في يد كل واحدٍ منهما بواحدة، وأخبرهما أنها نوعٌ من الأدوية، التي يتعاطاها الشباب؛ لتساعدهم على التركيز، وعليهم أن يوزعوها سِرًّا؛ حتى لا يفتضح أمرهم… كان الجميع  يأتون إلى وكرهم، إما للنوم، أو لتسليم جابرٍ إيراد يومهم، ملقيًا إليهم بالفُتات، أو لتلقِّي أوامر جديدة… فقد كانوا متعددي الوظائف، منهم مَنْ يسرح بالأطفال والرضع للشحاذة، أو آخرٌ يعتمد على إعاقته في ذلك، سواء أكانت طبيعية أو تمثيلية أو صنعها لنفسه عمدًا… ومنهم من يعمل في توزيع المخدرات، ومنهم من يستقل مواصلات النقل العامة بغرض السرقة، ومنهم من يبيع المناديل في الإشارات، أو يقوم بمسح زجاجها، وغيرهم… وبعد مرور أيامٍ على هذا الحال، مرَّ أدهم في طريقة بأحد المباني التي يطلق عليها دار رعاية للأيتام… فقفزت إلى عقله فكرة، تهللت على إثْرها أساريره، وعاد إلى الوكر، مُسَلِّمًا جابرًا ما ألقى به الزبائن إليه من نقودٍ… ثم جلس يفكر، ويتساءل عن مصيره: – هل سيستمر على هذا الوضع طيلة حياته؟ فلم يتغير حاله كثيرًا عن ذي قبل، فكان يعيش في سردابٍ، وها هو يهرب منه ليعيش في سردابٍ آخر، وكأن الدنيا لم تحسب له حسابًا فوقها…  ظل هكذا حتى اهتدى إلى فكرةٍ راقت له، فقرر أن ينفذها بمجرد أن تنشر الشمس أشعتها فوق الأرض؛ فقد قرر أن تكون هذه آخر ليلةٍ له في سراديب الحياة… وبالفعل، بمجرد أن لاح الصباح، ذهب إلى قسم الشرطة، وأبلغهم عن الوكر، وكل ما يعرفه من معلومات… انطلقت سيارةٌ للشرطة إلى المكان الذي وصف، ولكن يبدو أن أهل الوكر اعتادوا على هذه الحملات، فعندما وصلت الشرطة، لم تجد إلا بعض الصغار، الذين أخذتهم، وعادت بهم إلى القسم، بصحبة أدهم، وكإجراءٍ روتينيٍّ، أنهت أوراق تسجيلهم، وتسليمهم إلى إحدى دور الرعاية، الأمر الذي ملأ أدهم حبورًا وبِشْرًا، وسرورًا… ولكن دائمًا تأتي الرياح بما لم تشتهِ السفن، فقد كان يترأس هذه الدار رجلٌ فَظٌّ، طويل اليد، سليط اللسان، كان يتعامل مع هؤلاء الأطفال وكأنهم حشرات، لا قيمة لهم، وكان يمارس عليهم سطوته وجبروته، مما دفعه في خلال أيامٍ أن يترك تلك الدار لمديرها، بل ويترك ما فوق الأرض لقاطنيها…  ذهب إلى جابرٍ، معتذرًا، مبديًا ندمه، وما كان من هذا الأب الحنون، – وبكلِّ حِنْكَةٍ- إلا أن سامحه، واحتضنه، ثم ألقى إليه كيس المخدرات، وأشار إليه أن ينصرف…..

عن admin

شاهد أيضاً

المجموعة القصصية الأظافر السوداء pdf للكاتبة إسراء جمال

مقدمة الكاتبة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *