الرئيسية / قصص قصيرة / قصص / القصة الفائزة بمسابقة القصة القصيرة – الحلم السابع

القصة الفائزة بمسابقة القصة القصيرة – الحلم السابع

بقلم / أشرف كمال

 

‎‫احتشد الكثيرون أمامَ المحكمةِ يهتفون بوجوبِ قتلها، الملعونة الميت قلبها كما أسموها، و قد راق لها هذا.. ‎‫تسعة من الحراس حولها، منهم اثنان يمسكان ‎‫ بها جيدًا؛ أما عنها، فوقفت كأن كل هذه الاعتصامات، والهتافات، والقيود لا تعنيها، كأن أحدًا غيرها بداخل هذه الأجواء الضبابية. التفتت إليهم تطالع وجوههم الغاضبة ، ابتسمت لهم ساخرة ،شد أحد الحراس وثاق يديها من الخلف بقوة ؛ حتى احتبس الدم ، قام شخصٌ آخر بتغمية عينيها، أحست بذاك الحبل الغليظ يلتف حول عنقها ، و ذلك الحارس البغيض يضيق خناقه على رقبتها . لحظاتٍ ، و هوى جسدها متدلياً من فتحة أسفلها. جفلت فزعة من نومها ، تصرخ، تتحسس رقبتها ،ما تزال تشعر بضغطة الحبل ،حركت رقبتها يمنة ويسرى كي تتأكد أنها ما زالت على قيد الحياة ، ثم انخرطت في البكاء.. أخذت أمها تحاول تهدأتها، ضمتها إلى صدرها ، قرأت المعوذتين وبضع آيات من القرآن حتى هدأت و نامت ثانية. كان الجو صحواً ، ضياء الشمس تتلألأ فوق مياه البحر، نسمات الصيف تداعب شعرها في ذاك الصباح المشرق الجميل ،أحست بالنشوة والانتعاش ، بشعورٍ غريب يدعوها إلى أن تسبح في البحر ،تلفتت حولها لتتأكد من عدم وجود أحدٍ يراقبها على الشاطيء الخال في ذاك الوقت المبكر ، الآن يمكنها التمتع ببعض الحرية والخصوصية ، تخففت من بعض ملابسها، ركضت في سعادة طفولية نحو البحر ،ألقت بجسدها في مياهه الباردة ، لطالما كانت تخشى من غدره فهو متقلب كما الدنيا ، دون أن تدري ،توغلت بعيداً عن الشط ، فجأة وجدت قدميها لا تصلان إلى القاع ، أخذت تغوص و تطفو حتى غمرت المياه رأسها ، ضربت الماء بقدميها ويديها ، حاولت بآخر ما فيها من قوة الصعود إلى سطح الماء للتنفس ،ندت منها صرخة استغاثة ، شعرت بالاختناق وهوى جسدها إلى الأعماق .. اعتدلت فجأة، على سريرها تسعل بشدة، أتت أمها إليها على عجل، وسألتها في لهفة:أحلمت من جديد..؟! أومأت لها برأسها علامة الإيجاب، ثم دفنتها ثانية بين قدميها، وخاضت في النحيب. قررت أمها السفر إلى البلدة لتغيير الجو،علها تستطيع الهرب من تلك الكوابيس التي تطاردها بصورة يوميه منذ وفاة والدهاحديثاً ، ذهبت إلي بيت جدها لأبيها، حيث تقيم عمتها التي لم تتزوج بعد، لم يخبراها بالحقيقة ولا بسبب الزيارة في باديء الأمر. لكن سرعان ما افتضح السر؛ حينما ترددت صرخاتها في جوف الليل، سألتها عمتها جزعة:ماذا بك يا بنيتي..؟ تهتهت قائلة، و جسدها كله ينتفض في خوف: الحلم..الحلم..كنت هناك عند المقابر أريد أن أزور قبر أبي . حاولت الاستدلال عليه فلم أجد أحداً؛ سوى عجوز رثة الثياب،أشارت بيدها إلي نهاية الرواق ، وجدت ذلك الشيء منكفأً ينبش أحد القبور . صرخت، فالتفت لي بوجهٍ مشوهٍ قبيح ، و الشرر يتطاير من عينيه ،جريت بأقصى مافي من قوة ؛أخشى النظر للوراء ،فجأة وجدته يخرج أمامي ؛ حتى كدت اصطدم به ، جثوت على الأرض ،استحلفه ألا يؤذيني ، مد يديه المحروقتين، وأحكم قبضته على عنقي . أخذ في الضغط حتى لم أعد أستطيع التنفس ،وبح صوتي ولم استطع الصراخ ، تشنج جسدي..ثم صحوت من النوم. نظرت العمة إلي أمها نظرة العالم ببواطن الأمور ، وقالت لها: لا تخافي يا بنيتي ،غداً سآخذك إلي الشيخ مبروك ، ليفك ذلك العمل المرصود ،ويكشف عنك السحر . وقد كان ، ذهبت النسوة الثلاثة إلي بيت ذلك الرجل الذي ما إن رآها تدخل عليه حتى هتف: حي ..مداااااد… و شرع يقرأ بضع آيات ،و يتلو بعض الطلاسم ، و يلق بالبخور على الجمر، فاشتعلت النار، و أصدرت دخاناً أحمر اللون كثيفاً. ادعى ذلك الشيخ بأن هناك عملاً مدفوناً في المقابر، وإنه بعون الله سيقوم باحضاره ،وفكه في غضون ثلاثة أيام ؛لكن عليها أن تضع تلك الأحجبة تحت وسادتها، وتشرب من ماء مقروء عليه كل يوم قبل النوم. نامت هادئة طوال الليل أول ليلة ؛حتى ظنت أمها وعمتها خيراً ؛ لكنها صحت فجأة بعد شروق الشمس ،تصرخ كالعادة ، وبعد أن هدأت ، قصت عليهم رؤياها: كنت أركب طائرة للمرة الأولى ، وأنا في منتهى السعادة ،استمعت إلى تعليمات السلامة من المضيفة باهتمام ، بمجرد أن انتهت من شرحها بدأت توزيع الوجبات ، فجأة اهتزت الطائرة بشدة ، و تساقطت الحقائب فوق الرؤوس . بدأ الركاب في الصراخ بفزع ، و تدلت أكياس صفراء من السقف ، دوت أجراس الإنذار ، انطفأت الأنوار إلا من أضواء خافتة تنير الممرات ، تشيرإلي أبواب الطواريء. ماهي إلا لحظات ، وانحرفت الطائرة بشدة ، وشرعت في السقوط بسرعة عالية ؛حتى تصاعدت الدماء في الرؤوس ،وخرجت عصارة المعدة رغماً، و زاغ البصر.أحسست عندها أنني أفقد الوعي ، ولم أعد أستطيع التنفس . ثم..غلبتها الدموع فصمتت ،ربتت العمة على ظهرها وقبلت رأسها قائلة: لا تخشي شيئاً يا ابنتي ، إن شاء الله تنزاح عنك الغمة قريباً.. ثم أردفت قائلة بثقة: باقي أمامنا يومان ،كما قال الشيخ مبروك .. تكرر الأمر في اليوم التالي ، وتكرر نفس السؤال ، فأخذت تقص عليهم رؤياها ،و جسدها كله ينتفض من الذعر: لقد كنت في مكان موحش أشبه بغابة مقفرة ، وقد أشتدالظلام فلا أرى موطيء قدمي ولا أسمع سوى أصوات همهمات مبهمة،لا أدري إن كانت عواء حيوانات مفترسة أم نعيق طيور الليل . ظللت أجري على غير هدى .و أفرع الأشجار تصطدم بوجهي ،والأشواك تخمش ساقي، والخفافيش تتطاير من حولي حتى سقطت على الأرض، ألهث ، ودفنت وجهي في الأرض من الخوف ؛ إلا أنني شعرت بشيء يزحف في بطء نحوي ، وسمعت صوت فحيح يقترب من أذني . فتحت عيناي عن آخرهما،فوجدت أفعى كبيرة ، تلتف حول ساقي ،تعتصر جسدي ،رأسها يقترب من وجهي ،ولسانها المشقوق يلحس عنقي.. ثم أحسست بها تغرس نابيها في أوردتي، والسم يسري في شراييني ،وأنفاسي تتضاءل ، وجسدي يتشنج وكأني أموت ، والروح تخرج مني. هبت الأم واقفة وقالت بغضب: لا لن أسكت على كل هذا الهراء ،وأترك ابنتي تضيع مني .لابد أن أعرضها علي طبيب قبل أن تجن أو يحدث لها مكروه..!! حاولت العمة إثناءها، ورجتها أن تنتظر ليومٍ آخر؛عسى يستطيع الشيخ أن يفعل شيئاً ويفك العمل كما وعد في اليوم الثالث،فاستجابت الأم على مضض وقالت :ليكن..دعينا نمضي وراء الكذاب حتى باب الدار..!! في اليوم الأخير حدث نفس الشيء ،وأخذت الفتاة تهزي بكلماتٍ غير مفهومةٍ، فأحضرت لها عمتها كوباً من الماء لتشربه وتهديء من روعها فقالت بأنفاس متهدجة: أنا كنت في مكان مثل المستشفى ،وكانوا يضعون قناعاً للأكسوجين على وجهي ،والمحاليل في ذراعي ، ولواصق عديدة على صدري.كنت أرى شاشة المونيتور ؛ترسم دقات قلبي ، وتصدر صوتاً رتيباً.دخلت عاملة النظافة لتمسح الغرفة، عن غير عمد منها فصلت مصدر الطاقة لأجهزة الرعاية وتوقف تدفق الهواء، وأنا أنظر إليها بلا حول ولا قوة ؛بينما هي لا تراني ولا تعي بما يحدث لي .شهقت أحاول الاستزادة من الهواء ،وما من سبيل ..توقف نبض القلب ، وأصدر الجهاز صفيراً طويلاً، فهرول كادر التمريض على عجل يحاولون تدارك الأمر ، واستفاقة القلب من جديد من دون فائدة.ظللت على حالي لعدة دقائق إلي أن جاء أحد الأطباء.عري صدري و أتى بجهاز الصدمات ، وسرت الشحنات الكهربية في جسدي واعاد الكرة مرتين؛ وحينما لم يجد استجابة، غطى وجهى بالملائة ،وأنا أستحلفه بالله ألا يتركني. ثم نقلوني إلى ثلاجة الموتى. ذهبت بها أمها أخيراً إلي عيادة ذلك الطبيب النفسي الشهير،وقصت عليه كوابيسها الست ،بينما كان يدون بإهتمام كل ما تقوله في مفكرة أمامه .وبعد أن إنتهت من سردها سألها مستفسراً :لقد قلت لي في بداية حديثنا أنهم سبعة أحلامٍ تتكرر عليك بصورة دوريةٍ . فأين هو الحلم السابع..؟! تلعثمث ،ونظرت إليه بتوتر بالغ ،ثم قالت بنبرة قلقة:لا أدري.. لكنني أحس بأن هناك شيئاً غريباً في ذلك الحلم ،وكأنه حقيقة أعيشها الآن ..!! ثم حكت له الحلم بتفاصيله ،فضحك الطبيب طويلاً وابتسم لها مطمئناً، و قال :دعك من هذه الخزعبلات ،أنت انسانة متعلمة ،وكل هذه الهواجس، إنما يفرزها العقل الباطن في النوم . وماهي إلي إرهاصات لضغوطات الحياة اليومية . ثم ودعها قائلاً:لقد انتهت جلستنا اليوم، وإن شاء الله في الجلسة القادمة سنبدأ جلساتنا العلاجيه . ابتسمت له ابتسامة حزينة ونظرت إليه وكأنها كانت تريد أن تخبره بأمر ما أو خائفة من شيء ..!! بعد انصرافها طلب الطبيب من مساعدته أن تعد له فنجاناً من القهوة، واستغرق في التفكير في هذه اللعنة التي أصابت تلك الفتاة المسكينة ،ايقظه من شروده انقطاع التيار الكهربائي عن المبنى بأكمله ،واستغرق الأمر عدة ساعات حتى أتى مسؤلي الصيانة واصلحوا العطل. فجأةً تنبه الطبيب إلى الحلم السابع فجحظت عيناه، وفغر فاه ،ربما يكون قد تحقق بالفعل ..!! كانت في بناية شاهقة ، تهبط في المصعد، وانقطعت الكهرباء ،وظلت حبيسة لعدة ساعات تصارع الموت ، تصرخ وما من مجيب .

عن admin

شاهد أيضاً

المجموعة القصصية الأظافر السوداء pdf للكاتبة إسراء جمال

مقدمة الكاتبة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *