الرئيسية / روايات / كذبة ابي

كذبة ابي

بقلم : جهاد مجدي

 

إذا كان الأب بالنسبة للفتاة مصدر الحماية و؟الأمان الأول، فالأخ يعتبر مصدر الحماية والأمان الثاني؛ فهو الصديق الأول والأب الثاني للأخت، فتُرى ماذا سيكون رد فعل الابن إذا اكتشف فجأة بوجود أخت له في عمر الزهور ولا يعرف عنها شيئًا؟ في فيلا كبيرة من فلل حي الزمالك، تظهر زهور الربيع التي تسحر الإنسان وتريح أعصابه، تأتي لها نسمات الهواء لتداعبها في رقة… الفيلا مكونة من طابقين، الطابق الأول غرفتين مكتب و الاستقبال، و المطبخ و غرفة الضيوف، و حمام ملحق بهذه الغرفة؛ الطابق الثاني مكون من أربع غرف كبيرة، لكل غرفة حمام ملحق بها.  و في الغرفة الرئيسية… يجلس الحاج إسماعيل على فراش الموت وقد بلغ من العمر ما بلغ، يرعاه و يجلس معه ابنه الوحيد حسام ليخدمه في آخر أيامه… (حسام ضابط وسيم عنده 30 سنة، متميز جدا، بيعشق شغله، عايش مع باباه من بعد موت أمه ليلى) أطباء كثيرون في الحجرة عند إسماعيل يحاولون إيجاد علاجًا له… و لكن كان تشخيصهم: لا أمل… إسماعيل بصوت متعب: «خرجهم كلهم يا حسام، عاوز أتكلم معاك ضروري» أحد الأطباء: «أستاذ إسماعيل، أرجوك الكلام الكتير خطر عليك» حسام: «يا بابا لو سمحت اسمع كلام الدكاترة» إسماعيل بعصبية: «قلت عاوز أتكلم مع حسام لوحدنا» و بدأ يسعل بشكل كبير، ثم أمرهم جميعا بالخروج من الحجرة، و بعد أن خرج الأطباء… حسام: «اهدا بس يا بابا عشان خاطري، وأي كلام ممكن يتأجل، الدكاترة قالوا إن الكلام خطر عليك» إسماعيل: «هيجرالي إيه بس يا حسام؟ هموت؟ طب ما كده كده عارف إن أجلي خلاص جالي، أنا حاسس بيه، بس في حاجة لازم تعرفها قبل ما أموت، سر بقالي 20 سنة مخبيه عليك، بس خلاص جه الوقت اللي لازم تعرف فيه كل حاجة؛ أنا مش ضامن حياتي» حسام بقلق: «خير يا بابا فيه إيه؟ كلام حضرتك قلقني!» إسماعيل: «قبل ما أقول لك عالسر ده، لازم تسمع الحكاية من الأول» حسام: «ماشي يا بابا بس براحة و بهدوء على نفسك و على صحتك» إسماعيل: «ماشي يا ابني، بس اديني كوباية مية الله يكرمك!» بعد أن شرب إسماعيل، بدأ يسرد سر حَمله وحده على عاتقه لمدة تزيد عن 20 عاما… إسماعيل: «بص يا ابني، أنا قبل ما أتجوز أمك -الله يرحمها- أبويا كان رافض جوازنا؛ لأنه صعيدي، وكان مصمم إني أتجوز ناهد بنت عمي،  بس أنا خرجت عن طوعه وصممت واتجوزت أمك الله يرحمها…» ثم توقف إسماعيل لياخذ نفسه وأكمل قائلا: «أبويا فضل مقاطعني سنين وسنين لحد ما بقى انت عندك 10 سنين، يومها أبويا كلمني وقال لي أروح له، في الوقت ده ناهد بنت عمي كانت عايشة مع أبويا، لأن مكانش ليها حد غيره بعد موت عمي، لما روحت له قالي إنه عيان بالمرض الوحش وإنه خايف يسيب ناهد لوحدها لو مات، وفضل يضغط عليا عشان أتجوزها وفعلا اتجوزتها، وأمك الله يرحمها كانت عارفة، وبعد جوازنا بثلاث شهور أبويا اتوفى» حسام وقد اعتلت وجهه علامات الدهشة وعدم التصديق؛ فكيف يمكن لأبيه أن يتزوج واحدة بعد أمه؟! لقد كان أبيه يحب أمه حبًا لا نهائيا، وكان حسام يتمنى في المستقبل أن يحب زوجته مثل حب أبيه لأمه… حسام: «يعني حضرتك يا بابا اتجوزت على أمي رغم كل الحب اللي حبتهولك؟ ليه؟!» إسماعيل بضيق نفس: «مش وقت مبررات دلوقتي يا حسام، في حاجة مهمة لازم تعرفها» حسام: «أهم من إن حضرتك مصنتش أمي؟» إسماعيل: «أيوة، أرجوك سيبني أكمل!» حسام: «ماشي يا بابا اتفضل» إسماعيل: «بعد جوازي من ناهد -الله يرحمها- بسنتين، حملت وخلفت أختك فريدة، وفضلنا عايشين عادي طول السنين اللي فاتت وربنا اللي عالم إني مظلمتش أمك -الله يرحمها- ولا ناهد، ولا عمري فرقت في المعاملة بينك وبين أختك.  من خمس سنين قبل موت أمك بست شهور، ناهد ربنا افتكرها  حاولت كتير بعدها إني أعرفك على أختك فريدة، بس أمك كانت دايما تاجل الخطوة دي، و بعد كده أمك ماتت ومجاتنيش الجرأة إني أقول لك اللي حصل، بس دلوقتي كان لازم تعرف كل حاجة» حسام بقلة حيلة ممزوجة بصدمة وقد اختلطت عليه مشاعر كثيرة، رد على والده قائلا: «وحضرتك عاوزني أعمل إيه دلوقتي؟» إسماعيل: «عاوزك تنفذ وصيتي وتحط أختك في عينيك، أختك مكانش ليها حد غيري، دلوقتي هي مالهاش حد غيرك، أختك يا حسام أمانة في رقبتك، هي عرضك وشرفك، صونها واحفظها، صونها و احفظها، صونها و احفظها» خرج حسام من باب الغرفة؛ بناء على طلب والده، وكانت الدموع تترقرق في عينيه ولكنها جامدة مثل الصخر وترفض النزول، ودخل الأطباء. جلس حسام على الأريكة و أسند رأسه على ظهرها، و بعد دقائق قليلة ظهر أحد الأطباء ووجهه في الأرض قائلا: «البقاء لله يا حضرة الضابط» نزلت دموع حسام من عينيه مثل الشلالات، وكانت هذه المرة ترفض السكون، واستعاد كل كلمة قالها له أبيه قبل موته، ثم أفاق على صوت الطبيب وهو يقول: أنا هكتب التقرير دلوقتي عشان أطلع تصريح الدفن» أومأ حسام برأسه إيجابا. فجأة، يرن التليفون الخاص بإسماعيل، ينظر حسام إلى الشاشة بخوف أن تكون هي المتصلة، وبالفعل وجد حسام الهاتف يضيء باسم فريدة. نادى حسام على كريمة ( الدادة الخاصة بيه) حسام: «دادة كريمة! دادة كريمة!» كريمة بدموع: «أيوة يا حسام يا ابني» حسام: «ردي على البنت اللي بتتصل وقولي لها إن بابا اتوفى بس براحة» كريمة: «هي مين دي يا حسام؟» حسام بأسى: «بنته، هفهمك بعدين يا دادة بس ردي الأول» ردت كريمة على الهاتف… كريمة: «ألو… وعليكم السلام ورحمة الله و بركاته» «…» كريمة بحزن: «لا الباشمهندس إسماعيل تعيشي انتي» – «…» كريمة: «ألو… ألو…» حسام: «إيه يا دادة اللي حصل؟» كريمة: «والله يا بني ما أعرف، هي فجاة صرخت و الصوت اتقطع، بس سمعت صوت واحدة تقريبا معاها في الشقة. احكيلي بقى يا ابني إيه الحكاية؟» وحكى حسام لكريمة كل شيء، وأثناء كلامه معها وجد هاتفه يرن باسم عمرو (اعز أصدقائه )… حسام: «أيوة يا عمرو» عمرو: «…» حسام: «معلش يا عمرو بابا اتوفى من شوية» عمرو: «…» حسام: «أوكي، هستناك في الشارع، هنروح سوا مشوار كده» عمرو: «…» حسام: «لما تيجي هحكيلك»

—————————————-

على الجانب الآخر في منطقة راقية من مناطق جاردن سيتي، تجلس فريدة على السرير في غرفة جارتها، نائمة مثل الملائكة، تنزل من عينيها الدموع بدون إرادتها…

———————————————–

يدخل حسام بسيارته في شارع من شوارع جاردن سيتي -على حسب العنوان الذي أعطاه له والده- و كان معه عمرو ببذلته الميري. يدخل حسام مدخل عمارة أنيقة و يصعد بالمصعد إلى الدور الخامس عشر ويقف أمام الشقة مكتوب علي بابها باللون الفضي: (مهندس إسماعيل عبدالعزيز البحيري) لا يعرف هل يرن الجرس أم لا؟ تزيد ضربات قلبه كلما اقتربت يده من الباب، موقف لم يتخيل أن يوضع فيه طوال حياته… قطع عمرو أفكاره وقام هو بطرق الباب عدة طرقات، ولم يفتح أحد! ولكن في الشقة المقابلة لشقة والده قامت سيدة في أول الخمسينيات على قدر من الجمال والشياكة بقتح باب شقتها قائلة: «الآنسة فريدة مش هنا انتوا مين» كان يبدو على السيدة القلق و هي تنظر إلى بدلة عمرو الميري، فهم حسام هذه النظرة وبدا قائلا: حسام: «فين الآنسة فريدة البحيري؟» السيدة: «الآنسة فريدة والدها توفى النهاردة، وهي سمعت الخبر وهي عندي في الشقة، فتعبت، و هي دلوقتي بترتاح عندي شوية» حسام: «أنا جاي من طرف والدها» السيدة: «أهلا وسهلا يا أستاذ، اتفضلوا عندي وأنا هديها خبر» دخل حسام و عمرو الشقة، وبمجرد أن دخلا أحسا أنهما في قصر؛ كل شيء ذو قيمة عالية يدل على ذوق مالكة الشقة الرفيع، بداية من أثاث المنزل والتحف واللوحات الأصلية وحتى ابسط الرفائع… جلس حسام و عمرو في غرفة الاستقبال وقدمت لهما السيدة القهوة. السيدة: «ثانية واحدة، هصحي فريدة وأجيلكم.  بس أقول لها مين؟» حسام: «قولي لها الضابط حسام من طرف والدها» دخلت السيدة الغرفة بعد أن أحضرت من شقة فريدة -عندما اعطتها المفتاح- ملابسًا ملائمة للظرف الذي تمر به، بدلت فريدة ملابسها وخرجت من الغرفة… يا الله! ما كل هذا القدر من الجمال رغم الملابس السوداء التي ترتديها؟ وعينها المملوءة بالحزن، إلا أن كل هذا لم يقلل من جمالها، حتى حجابها لم يزيدها إلا رقة وجمالا، فقد كانت ذات ثمانية عشر عاما، عينها واسعة زرقاء مثل زرقة السماء، شديدة البياض، و كان واضح من لون حواجبها و رموشها أن شعرها شديد السواد، بها شبه بسيط من حسام ووالدهما، لكن من الواضح أنها ورثت أكثر الشبه من والدتها…  دخلت فريدة الى الغرفة و جلست. فريدة بنبرة حزن: «خير؟ مدام ثريا قالت لي إن حضرتكم من طرف بابا!» عمرو: «مدام ثريا، ممكن حضرتك توريني المنظر من البلكونة؟!» فريدة بقلق: «لا مينفعش، أنا والأستاذ (قصدها حسام ) نقعد لوحدنا» حسام بنبرة جادة: «متقلقيش يا آنسة فريدة، عشر دقائق بالضبط وهتفهمي كل حاجة» رضخت فريدة للأمر الواقع، بدأ حسام الكلام. حسام: «البقاء لله يا آنسة فريدة» فريدة بدموع: «و نعم بالله، ممكن أعرف مين حضرتك؟» حسام: «أنا حسام إسماعيل البحيري» صدمت فريدة عندما سمعت اسمه، نعم هي كانت تعلم أن لها أخًا وكانت تتخيل مقابلتها له، و لكنها كانت لا تعلم أن الحقيقة و الواقع أصعب كثيرا من الخيال… فريدة بتلعثم: «أهلا و سهلا، أنا مش عارفة… بس…» قاطعها حسام: «أنا عارف إنه موقف صعب عليكي، بس على الأقل مش زيي؛ انتي كنتي عارفة بوجودي لكن أنا معرفش بوجودك غير من ساعات» أحرجت فريدة جدا من أسلوب حسام الحاد معها. أكمل حسام: «على العموم مش هنتكلم دلوقتي، يا ريت تحضري شنطتك عشان تيجي معايا، لأن وصية بابا -الله يرحمه- إنك تبقي معايا في الفيلا هناك» فريدة: «طيب ممكن أسالك؟ هو انتم دفنتم بابا و لا لسه؟» حسام: «لسه هندفنه بكرة بعد صلاة الظهر» فريدة: «طيب ممكن تديني ربع ساعة أجهز شوية حاجات مهمة، هاحتاجها اليومين اللي جايين و مش مهم أجيب كل حاجة دلوقتي» حسام: «اتفضلي»

———————————————-

في نفس ذلك الوقت، في فيلا في مدينة المعادي، تجلس فتاة في منتصف العشرينات ويبدو عليها الغضب الشديد، وفي يدها هاتفها المحمول. و تدخل عليها فتاة أخرى في أول العشرينات. شروق: «إيه يا بنتي بس مالك متعصبة كده ليه؟!» بيري: «الزفت اللي اسمه حسام، من الصبح كل ما أكلمه أااقي موبايله مقفول» شروق: «يا بنتي فكك منه بقى، أنا نفسي أعرف ليه رابطة نفسك بيه؟ وانتي أصلا قولتي لي قبل كده إنك مش بتحبيه!» بيري: «أنا صحيح مبحبش حسام، بس هو الشخص المناسب ليا، تخيلي معايا كده لما تبقي من عيلة كبيرة زي عيلة البحيري، ومتجوزة أجمل شاب فيها، وكل البنات بتحسدك عليه، و مركزة في الشرطة اللي هيكبر و…» قاطعتها شروق: «بس بس بس! فوقي شوية من أحلامك دي و انزلي على أرض الواقع. عارفة يا بيري، مش أنا أختك أهو؟ بس أحيانا بخاف منك أوي» بيري: «على فكرة، مسيرك تشوفي إن الأحلام دي هحققها؛ عشان أنا لما بحط حاجة في دماغي لازم أحققها» و قاطع حديثهما دخول أمهما شاهي. شاهي: «حبايب مامي، يلا بقى عشان نتغدى» بيري: «أوك يا مامي، بس أنا هنزل بعد الغدا واحتمال أتاخر و عاوزة فلوس» شاهي: «أوكى يا نونة، الخزنة عندك ابقى خدي منها كل اللي انتي عاوزاه» بيري: «ميرسي يا مامي» ذهبت فريدة إلى شقتها لتجمع أهم أشيائها، ثم ذهبت إلى غرفتها وأخذت من خزانتها بعض الملابس التي سوف تحتاجها، ثم أخذت آخر صورة جمعتها مع والدها، وأخذت مفكرتها الوردية التي تكون دائما في حقيبتها ولا تتركها، ودائما معها في أي مكان تذهب إليه، وذهبت إلى أخيها و صديقه. فريدة: «أنا جاهزة» حسام: «ماشي، يلا يا عمرو» ودعت فريدة ثريا وألقت نظرة أخيرة على باب شقتها، ثم جرت وتحسست بدموع اسم والدها، ونزل ثلاثتهم إلى سيارة حسام. طلب حسام من عمرو أن يتولى مهمة القيادة لأنه متعب، وجلس حسام بجانب عمرو، وجلست فريدة بالمقعد الخلفي، وأسندت رأسها إلى شباك السيارة، وظلت تنظر إلى كل شيء تعودت عليه في شارعها. مرت أمام عينها كل لحظة فرح عاشتها وكل لحظة حزن وألم، ودعت كل شيء تحبه لتذهب إلى بيت لا تعرفه، وناس لم تألفهم، ظلت دموعها تنزل في صمت، ولكنها لا تعرف هل تبكي حزنا على والدها؟ أم على حالها؟

———————————————————————

وصلوا جميعا إلى فيلا البحيري، واستاذن عمرو ورحل، على وعد أن يكون مع صديقه في اليوم الثاني من أوله؛ دخلت فريدة الفيلا ودخل ورائها حسام. حسام بصوت مرتفع إلى حد ما: «دادة كريمة، دادة كريمة» جاءت كريمة مسرعة على صوت حسام: «أيوة يا حسام يا ابني في إيه» وجهت كريمة نظرها إلى فريدة، ثم نظرت إلى حسام. حسام: «من فضلك يا دادة خدي فريدة ووريها أوضتها عشان ترتاح شوية؛ بكرة اليوم هيبقى طويل!» كريمة: «حاضر يا ابني من عنيا، اتفضلي يا بنتي» فريدة وقد تجمعت الدموع في عينها: «معلش ممكن أشوف بابا الأول» حسام: «خلاص اتفضلي انتي يا دادة وأنا معاها» وصعد كل منهما إلى الدور الثاني، وتوجها إلى الغرفة التي يرقد بها إسماعيل، بمجرد أن رأته فريدة هرولت إليه، وظلت تبكي بشدة وتقبل يده و رأسه وتحدثه و كأنه يسمعها، ولكن بصوت لا يسمعه أحد. رأف حسام لحالها ومنظرها كثيرا؛ فذهب إليها و ربت على كتفها. حسام: «لو سمحتي كفاية كده، تعالي عشان أوريلك أوضتك» قامت فريدة مع أخيها لتذهب إلى غرفتها، وبمجرد أن دخلت إلى الغرفة وأغلق الباب عليها، أحست بوحدة وغربة، وهذا الذي يدعى أخيها، لم تشعر منه بأي نوع من أنواع الحنان، فليس هذا الذي كانت تنتظره منه في هذه اللحظة الصعبة، وكانت تحدث نفسها ودموعها لا تتوقف عن الانهمار و لا تجف، حتى وجدت محمولها يرن برقم باسم حبيبة (كانت جارة فريدة و تكبرها بست سنوات) فريدة: «ألو» حبيبة: «أيوة يا ديدا، البقاء لله يا حبيبتي، والله لسه عارفة دلوقتي» فريدة بانهيار -كأنها كانت تنتظر مكالمة حبيبة لها لتبوح لها بكل ما يخفيه صدرها: بابا مات يا حبيبة، خلاص مبقاليش حد خالص، أنا ليه بيحصل فيا كل ده؟! أنا عاوزة أموت زيهم» حبيبة بدموع لحال صديقتها: «استغفري ربنا يا فريدة، مينفعش تقولي كده حرام» فريدة: «أستغفر الله العظيم يا رب! استغفر الله العظيم يا رب!» حبيبة: «انتي في البيت دلوقتي، أنا ممكن أستاذن ماما و أجيلك و أبات معاكي» فريدة: «لا أنا هنا في فيلا بابا» حبيبة: «إيه ده؟ هو أخوكي عرف؟؟» فريدة: «آه عرف، بس حاسة إنه مش طايقني؛ بيعاملني زي ما يكون مغصوب إنه يخليني أعيش معاه؛ عشان دي كانت رغبة بابا الله يرحمه» حبيبة: «يا بنتي طبيعي بعد كل المفاجات اللي حصلت له النهاردة طبيعي يكون مش مظبوط؛ فجاة يكتشف إن باباه كان متجوز على أمه وليه أخت، و بعد كده باباه مات، أي حد مكانه كان لازم يحصل له كده» و عندما أنهت فريدة مكالمتها، سمعت صوتا مرتفعا يأتي من الأسفل، فنزلت مهرولة إلى الأسفل ونبضات قلبها تتسارع وهي خائفة، وعندما وصلت لمنتصف السلم رأت أخاها يتشاجر مع فتاة، وكانت الفتاة تلبس بلوزة بدون أكمام وبنطال ضيق يفصل جسمها بشدة، وبينما هي متعجبة من هذا الموقف، أفاقت من شرودها على صوت بيري وهي مصوبة نظرها تجاه فريدة، و هي تقول: «الله الله، بقى هي دي اللي سعادتك قافل موبايلك ومش بترد عليا بسببها يا حضرة الضابظ؟! بس ذوقك بقى بلدي أوي» حسام بانفعال: «بس بقى يا بيري، عاوزة تسمعي بهدوء أهلا و سهلا، مش عاوزة، تخرجي بره البيت. ده من ساعة ما جيتي عمالة تزعقي وترمي عليا اتهامات! بقالي ساعة بقول لك بابا ماااات افهمي بقى» صدمت بيري و تصنعت الحزن و قالت بأسلوب رخيص: «حبيبي أنا آسفة والله، حقك عليا» ثم أعادت نظرها إلى فريدة و قالت: «بس برضو ماقلتليش مين دي؟» حسام: «فريدة، أختي من بابا» اندهشت بيري و نظرت إلى حسام الذي توقع سؤالها و قال: «بعدين يا بيري هفهمك كل حاجة»

—————————————–

في اليوم التالي في مدافن عائلة البحيري، ذهب جميع الأهل و الأحباب لتوديع هذا الرجل الصالح، وبعد رحيل معظم الناس لم يبقى في المكان سوى حسام وبيري وفريدة، ومعها صديقتها حبيبة، و عمرو. ظلت بيري تحاول التقرب من حسام والإمساك بيده، ولكن حسام نبهها ألا تفعل ذلك. أما فريدة ظلت تبكي وهي تحتضن صديقتها، وحبيبة تحاول تهدئتها. حسام: «يلا بينا عشان نروح» قام الجميع و ظلت فريدة متشبثة بقبر والدها، و كأنها لا تريد أن تذهب وتتركه. و لكن حبيبة قامت بسحبها…

————————————————

مر أسبوع على وفاة الوالد، وفريدة بدأت تعتاد على البيت، ولكن ما كان يحزنها هو شعورها بالوحدة في البيت، منذ يوم جنازة والدها لم تجلس معه، ودائما يكون في عمله، لم تكن تتحدث سوى مع دادة كريمة. فريدة: «صباح الخير يا دادة» كريمة: «صباح النور يا بنتي، أحضر لك الفطار؟» فريدة: «لا يا دادة مليش نفس» كريمة: «يا بنتي انتي من ساعة ما جيتي وانتي مش بتاكلي كويس، حتى خسيتي عن ما جيتي أول مرة» فريدة: «معلش يا دادة، أنا طالعة أوضتي» كريمة: «طيب بس اعملي حسابك هتتغدي كويس، حسام هيجي عالغدا النهاردة» لم ترد فريدة و ذهبت إلى غرفتها، كانت تقول لنفسها: «إيه اللي هيحصل يعني؟ أنا بقالي أسبوع معاه في بيت واحد، عمره ما فكر يسالني أنا في مدرسة إيه و لا في سنة كام؟ ولا يشوفني محتاجة حاجة! لا لا أنا مشوفتهوش في الأسبوع ده غير 3 مرات بس» ثم اخرجت مفكرتها الوردية، فهذه المفكرة هي رفيقتها في وحدتها، تكتب بها كل ما تشعر به و لا تستطيع البوح به لأحد، فكتبت في مقدمة الصفحة كلمة (أخي ): «أخي… أجبرتنا الظروف أن نعيش معا تحت سقف واحد، بعد سنين لا نعرف فيها بعضنا… أصبحت الرجل الوحيد في حياتي، رغم قوة قربنا، أشعر أننا أبعد ما نكون عن بعضنا، أتمنى أن تكون أماني و حمايتي، ليس لي أحد غيرك بعد الله» وأغلقت مفكرتها و ذهبت لتكلم صديقتها.

————————————————————————————————————

كان حسام يمارس عمله، فدخل عليه عمرو. عمرو: «إيه يا ابني، لسه القضية دي برضه معصلجة معاك؟! ماتسيبك منها بقى وتشوف غيرها» حسام: «مستحيل يا عمرو، لازم ألاقي حل ليها، و نهاية جمال الأسيوطي هتبقى على ايديا» عمرو: «طب يا سيدي عامل إه في البيت، وأختك عاملة إيه دلوقتي؟!» حسام بضيق: «معرفش، مش بشوفها كتير أصلا» عمرو: «طب هي في سنة كام؟ و لا جامعة إيه؟!» حسام: «معرفش، إحنا تقريبا متكلمناش من يوم جنازة بابا» عمرو: «طب ده اسمه كلام يا حسام؟ تبقى عايش مع أختك في بيت واحد و متعرفش عنها حاجة؟! خد بالك هي ملهاش حد غيرك، حاول تقرب منها» حسام: «مش قادر يا عمرو، كل ما أشوفها أفتكر اللي عمله بابا في ماما» عمرو: «لا حول ولا قوة إلا بالله، ربنا يصلح الحال» في هذه اللحظة يرن هاتف حسام برقم بيري. حسام: «أيوة يا بيري خير؟» بيري: «بيبي عاوزة أقابلك ضروري، ممكن نتغدى سوا النهاردة؟» حسام: «معلش يا بيري خليها بكرة، أنا مروح دلوقتي البيت» بيري: «أوك يا حسام زي ما تحب، بس يا ريت ما ترجعش في كلامك» عندما أغلق حسام مع بيري رجع الى حديثه مع عمرو. عمرو: «إيه مالك بتكلمها من تحت الضرس ومش طايقها كده ليه؟!» حسام: «مش مقدرة اللي أنا فيه خالص، وأنا في دماغي مليون حاجة أهم» في تلك اللحظة دخل شادي (صديقهم الثالث، يصغرهم قليلا، كان أخوه عبدالله أعز أصدقاء حسام وعمرو، استشهد وهو يحاول القبض على جمال الأسيوطي، وعندما توفي اقترب حسام وعمرو من شادي وأصبح أكثر من أخ لهما) شادي مهرولا: «حسام، صحيح اللي سمعته ده؟ أنكل إسماعيل اتوفى» حسام بأسف: «أيوة الله يرحمه» شادي: «والله أنا كنت في مأمورية و لسه راجع النهاردة و يادوب عرفت» حسام بابتسامة: «أنا عارف يا شادي، ولا يهمك» عمرو لشادي: «أما فاتك حتة فيلم هنديإنما إيه؟» شادي: «فيلم إيه؟» و بدأ عمرو سرد حكاية فريدة…

———————————————————————————————————–

في ذلك الوقت في فيلا مهجورة في المهندسين، دخل رجل مهرولا إلى غرفة يجلس بها رجل آخر في أوائل الخمسينات… الرجل الذي دخل: «صباح الفل يا باشا» الرجل الآخر: «أهلا يا سعيد، ها إيه آخر الأخبار؟!» سعيد: «عرفت من الولا تهامي المخبر إن أبو الظابط اللي حاطك في دماغه مات من أسبوع» رد الرجل: «طب كويس، كده الواد بقى لوحده و سهل نوقعه» سعيد: «بس يا جمال باشا من المراقبة اللي حاطينها له على الفيلا بتاعته، عرفنا إن في واحدة بقت قاعدة في الفيلا تقريبا بصفة مستمرة» جمال: «تعرف لي مين دي في أقرب فرصة وتجمع لي كل البيانات عنها» سعيد: «تحت أمرك يا باشا»

—————————————-

فريدة ببكاء: «أنا خلاص تعبت من العيشة دي» حبيبة:  «معلش استحملي، و بعدين انتي المفروض ترجعي تاني للدروس، انتي ناسية إنك ثاوية عامة؟!» فريدة: «أنا بحمد ربنا إنك معايا، لولاكي كان زماني مت من الوحدة!» حبيبة: «متقوليش كده تاني لأزعل منك، أنا بس طالبة منك إنك تذاكري كويس عشان تدخلي الكلية اللي انتي عاوزاها» فريدة: «ربنا يسهل هابدا أنزل الدروس من أول بكرة» حبيبة: «ماشي بأي بقى عندي شغل عاوزة أخلصه» فريدة: «أنا مش عارفة انتي إزاي بتقدري تقعدي أكثر من شهرين تترجمي في كتاب واحد؟ إيه الملل ده؟!» حبيبة: «أنا دخلت ألسن عشان بحب المهنة دي… سلام بقى» فريدة: «سلام. استني صحيح إيه أخبار شريف؟!» حبيبة: «بالله عليكي يا فريدة متفكرينيش، أنا اتخنقت منه؛ مش عاوز يفهم إني مش عاوزة أتجوزه  لولا إنه ابن عمي والله كا بقى ليا تصرف ثاني!» فريدة: «ربنا يعينك، أسيبك تشوفي حالك» حبيبة: «ماشي يا حبيبتي باي» و بمجرد أن أغلقت فريدة الهاتف، سمعت صوت كريمة من خلف الباب يقول: «فريدة حسام رجع، يلا عشان تتغدوا» فريدة: «حاضر يا دادة»

———————————————————————————————————–

نزلت فريدة من الغرفة بعد أن غسلت وجهها وأبدلت ملابسها، نزلت ووجدت الطعام جاهزا على السفرة، وحسام يجلس عليها ببذلته الميري، فجلست على المقعد المجاور له.  ظل الصمت لدقائق إلى أن… حسام دون أن ينظر إليها: «إحم… هو انتي في مدرسة و لا في جامعة؟!» فريدة بتعجب لأنه بدأ يحدثها، ردت بفرحة حاولت أن تخفيها: «أنا في 3 ثانوي» حسام: «طيب مش المفروض عندك دراسة؟!» فريدة: «أيوة أنا باخد دورس، بس الأسبوع ده معرفتش عشان ظروف موت بابا» حسام و هو ينهي طعامه قال بدون أي تعبير على وجهه: «لا لازم ترجعي لدروسك كل يوم، هسيب لك فلوس عشان الدروس، و لو احتاجتي حاجة ابقي قولي لي» نهض حسام دون أن ينظر إلى وجه فريدة التي شعرت بكثيرمن الراحة والسكون بسبب حديثها مع أخيها، حتى و لو كان بكلمات قليلة، و لكن مجرد صوته الموجه لها جعلها تشعر بالأمان…

————————————————————————————————————-

في اليوم التالي وافق حسام على مضض أن يدعو بيري على الغذاء بعد إلحاح كبير منها… بيري: «يعني يا حبيبي؟! أختك كدة هتورث معاك» حسام: «طبيعي يا بيري، وبعدين انتي مالك مهتمية أوي بموضوع الميراث كده؟!» بيري بتلعثم: «أبدا يا حسام، أنا بس خايفة عليك، بس مش مشكلة، مش انت الوصي عليها خلاص!» حسام: «أنا مش بفكر في الموضوع ده خالص، و بعدين تعالي هنا، إيه اللي انتي كنتي لابساه ساعة جنازة بابا ده؟! و بعدين كل شوية عمالة تمسكي إيدي وأنا زقيت إيدك أكتر من مرة عشان أنبهك» بيري بتافف: «أوف حسام، قلت لك 100 مرة لبسي أنا حرة فيه  ألبس اللي أنا عاوزاه، وبعدين انت كنت متضايق اإني كنت واقفة جنبك في جنازة باباك؟!» حسام: «انتي مكنتيش واقفة جنبي، انتي كنتي مكتفاني» بيري: «المهم هي اسمها إيه دي فادية ولا فريدة دي هتقعد معاك في الفيلا؟! حسام و هو يحاول التحكم في أعصابه: «أولا اسمها فريدة، وبعدين طبيعي إنها تقعد معايا أمال هتروح فين؟!» بيري: «تروح أي حتة، دي واحدة انت متعرفهاش، إزاي هتقعد معاك في بيت واحد؟!» حسام ولم يعد يستطيع التحكم في نفسه، قال بعصبية: «انتي اتهبلتي يا بيري؟! دي أختي وأبويا وصاني عليها قبل ما يموت!» بيري: «أوك، هتيجي تتقدم لي امتى؟!» حسام: «لا انتي اتهبلتي فعلا، بابا لسه بقاله أسبوع ميت وانتي تقولي لي خطوبة!» بيري: «خلاص يا حسام، بس يا ريت لما تبقى جاهز تبقى تقول لي قبلها عشان أقول لماما» حسام: «ربنا يسهل يا بيري»

————————————————————————————————————

كانت فريدة في غرفتها كي تبدأ مذاكرتها التي أهملتها في الفترة الأخيرة، ولكنها تذكرت حديث أخيها معها ليلة البارحة، فقبل أن تبدأ فتحت مذكرتها الوردية و كتبت: «مجرد كلام قليل و بسيط جعلني أشعر بالطمأنينة والسكون، أحسست بلمحة من أبي في طريقة كلامه، بدأت أستكشفه حتى أفهمه» وأغلقت مفكرتها و بدأت في المذاكرة…

———————————————————————————————————–

مرت الأيام و الشهور سريعا، واعتادت فريدة على حياتها في هذا المنزل، وأصبحت تهتم أكثر بمذاكرتها نظرا لاقتراب موعد امتحانتها، فقد بقي على امتحاناتها 3 اشهر، ومعاملة حسام معها كما هي، كلامه معها لا يتعدى الجملتين. و في يوم من الأيام، بعد أن تعبت فريدة من المذاكرة، قررت أن تمسك فرشتها التي لم تمسكها منذ شهور و بدأت في الرسم على لوحة بيضاء، وأخذت ترسم منظر الغروب الذي تعشقه، فالرسم هو هدفها في الحياة و تعمل من أجل الوصول إلى كلية الفنون الجميلة.

————————————————————————————————————-

في اليوم التالي، بينما حسام منهمك في عمله، فوجئ بهاتفه يرن باسم (دادة كريمة) قلق حسام كثيرا؛ فهو يعرف أنها لا تحدثه وقت عمله إلا إذا كان الأمر ذا أهمية بالغة. حسام: «أيوة يا دادة كريمة، براحة بس مش فاهم منك حاجة!» كريمة: «الحق يا حسام، فريدة خرجت من الصبح و لسه ماجتش لحد دلوقتي!» حسام: «تلاقيها راحت عند صحبتها حبيبة!» كريمة: «لا يا ابني، أنا كلمت الآنسة حبيبة وعرفت إنها مشافتهاش بقالها يومين، هي خرجت الصبح بدري على أساس إنها عندها النهاردة درسين، قالت لي إنها هتيجي عالساعة 5، الساعة دلوقتي داخلة على 9 هي لسه مجتش، بكلمها عالموبايل مقفول!» حسام بقلق: «طب اقفلي دلوقتي يا دادة وأنا هشوف الموضوع ده، ولو وصلت لحاجة هبلغك» أغلق حسام الخط مع كريمة، قرر الاتصال على هاتف فريدة، ولكنه تذكر أن رقمها ليس مسجلا عنده، فتعجب وغضب من نفسه، فاتصل بكريمة مرة أخرى وأخذ منها الرقم وحاول الاتصال مرة أخرى، ولكنه وجد هاتفها مغلقا؛ بدأ القلق يزيد في قلبه، فدخل عليه شادي و رآه في هذه الحالة.

شادي: «إيه يا حسام مالك؟!»

حسام و هو يحاول الاتصال: «فريدة مرجعتش البيت لحد دلوقتي، بتصل على موبايلها مقفول!»

شادي: «طب ما يمكن راحت عند حد من أصحابها»

حسام: «مش عارف، أنا لازم أمشي دلوقتي»

شادي: «طيب لو وصلت لحاجة ابقى طمني»

————————————————————————————————————-

في نفس الفيلا المهجورة، دخل سعيد على جمال الأسيوطي.

سعيد: «تمام يا باشا، كل اللي أمرت بيه اتنفذ بالحرف» جمال بابتسامة

نصر: «تمام يا سعيد، أما نشوف بقى الآنسة قيمتها عند أخوها تساوي إيه؟!»

سعيد: «اللي تؤمر بيه يا باشا، عايزنا نخلص عليها هنخلص»

جمال: «لا استنوا شوية أما نشوف أخوها هيعمل إيه؟!»

————————————————————————————————————-

في مكتب عمرو في قسم الزمالك، كان يجلس مع شادي…

عمرو بسخرية: «بس غريبة يعني إن حسام قلق على فريدة»

شادي: «ولا غريبة و لا حاجة يا عمرو، مهما كان هي أخته الوحيدة، و لما يحس إن فيه خطر على حياتها طبيعي إنه يقلق، أنا قلت له يطمني بس شكله لسه موصلش لحاجة»

عمرو بخبث: «وانت مالك مهتم أوي بالموضوع ده ليه؟!» شادي بارتباك: «عادي يعني، أخت صاحبنا وقلقان عليها»

عمرو: «يعني عشان أخت صاحبنا بس؟ أنا ملاحظ نظراتك ليها من يوم ما حسام عزمنا على الغدا»

شادي باستسلام: «هاقول لك بس متقولش لحد!» عمرو: «عيب يا شادي في بيير»

شادي: «أنا فعلا معجب بيها، بس والله معملتش حاجة من ورا حسام و لا كلمتها خالص من يوم العزومة»

عمرو: «و انا متاكد يا شادي إنك مش هتخون ثقة حسام»

شادي: «متشكر يا عمرو»

عمرو: «على إيه يا حمار؟ ده انت أخويا الصغير، ده أنا و حسام وأخوك عبدالله -الله يرحمه- مكناش بنفترق عن بعض إلا ساعة النوم، وانت فيك كتير أوي من أخوك»

شادي: «بقول لك صحيح، هو حسام لسه حاطط الراجل اللي اسمه جمال الأسيوطي ده في دماغه؟»

عمرو: «أيوة، مع إني نبهتة كتير بس مسمعش كلامي!»

شادي: «الراجل ده مش سهل أبدا، ده كل شغله في الممنوع، سلاح على مخدرات على آثار، وده كله كوم وتجارة الأعضاء كوم تاني، والغريب إنه مظبط كل ورقه ومفيش أي حاجة عليه، بس انت عارف إن ده مش تار حسام لوحده، ده تاري أنا و انت كمان.  حسام عاوز يقبض عليه عشان يخلص البلد منه، وأنا نفسي أنتقم لأخويا، وانت لباباك سيادة اللوا -الله يرحمه،  باباك و أخويا استشهدوا في نفس اليوم على إيد رجالة الأسيوطي»

عمرو: «ربنا هينصرنا عليه إن شاء الله، أنا عمري ما نسيت تار أبويا، بس بحاول آخد الأمور بهداوة، بس حسام متهور؛ أنا خايف عليه»

شادي: «ربنا يستر»

————————————————————————————————————-

دخل حسام إلى الفيلا مسرعا وهو يسأل: «ها يا دادة متصلتش بيكي؟!»

كريمة: «أبدا يا ابني!»

حسام: «طيب متعرفيش عنوان صاحبتها؟!»

كريمة: «لا يا ابني والله!»

حسام: «طب أنا هطلع أوضتها؛ يمكن ألاقي نمرة أو عنوان حد من أصحابها» صعد حسام إلى غرفة فريدة، وما أن دخل اندهش وتعجب، حيث وجد في أغلب أركان الغرفة صور مرسومة، واحدة لمنظر الغروب وأخرى لوالده، وواحدة لشكل النيل…  وغيرهم كثي،ر فقد تعجب من مقدرة فريدة الكبيرة على الرسم، و ظل يبحث في أدراجها عن أي شيء إلى أن وجد نوتة باللون الأخضر، ووجد فيها أرقام تليفونات و عناوينًا كثيرة. وجد من ضمنها رقم حبيبة وعنوانها، فاتصل بها و قرر أن يذهب إليها في اليوم الثاني. قضى حسام ليلته وهو لا يعلم كيف مرت عليه، إنها ليلة من أسوا ليالي عمره، لم يتوقف مخه عن التفكير ولو للحظة واحدة. أشرق اليوم الثاني وحال البيت على حاله، وبمجرد أن رأى حسام نور الشمس يدلف إلى غرفته، قام مسرعا وأبدل ملابسه و ذهب إلى حبيبة.  دخل حسام إلى منزل حبيبة.

حبيبة: «أهلا وسهلا يا سيادة الرائد، اتفضل»

حسام مرتبكا: «لو والدك ووالدتك مش موجودين أنا هنزل أستناكي تحت نروح أي مكان»

حبيبة بابتسامة ممزوجة بحزن على صديقتها: «لا متقلقش، أنا عايشة هنا مع أخويا أدهم ومراته» دخل حسام البيت ورحب به أدهم بشدة؛ وأحضرت حبيبة العصير…

حسام: «أنا آسف إني أزعجتكم، بس أنا بجد هموت من القلق على فريدة»

أدهم بابتسامة: «مفيش حاجة يا حضرة الضابط»

حبيبة: «أدهم معلش ممكن تسيبني مع سيادة الرائد شوية؛ لأن فيه حاجة تخص فريدة لازم يعرفها و مينفعش أقولها قدامك» قام أدهم متفهما موقف أخته، وجلس في الشرفة حتى لا يكون بعيدا عنها. بدأت حبيبة كلامها…

حبيبة: «قبل ما أحكي لك عن آخر يوم كنت فيه مع فريدة، أنا عاوزاك تعرف إن فريدة كانت بتتمنى إنها تشوف نظرة الخوف والقلق عليها في عينك من زمان، فريدة ملهاش أصحاب غيري، عندها زمايل كتير في المدرسة و الدروس، بس أنا صاحبتها الوحيدة. فريدة عاشت معاك، هي كل يوم ممكن تكلمني بالساعة تشتكي لي منك و تفضل تعيط. أنا بس هسألك سؤال بعد كده هجاوبك على أي حاجة انت عاوزها»

حسام: «اتفضلي أنا سامعك»

حبيبة: «انت فعلا قلقان على فريدة لأنها أختك و خايف عليها؟! ولا خايف من كلام الناس وإنها تقول إنك محافظتش عليها إننك منفذتش وصية باباك؟» تنهد حسام و هو يفكر كيف كشفته حبيبة هكذا؟ ثم استجمع شجاعته

و قال: «انتي ممكن يكون عندك حق في كل الكلام اللي قولتيه، فعلا أنا عشت مع فريدة شهور وعمري ما حاولت أقرب منها أو أعرف هي بتفكر في إيه، عمري ما حسستها إن ليها أخ يخاف عليها ويقدر يحميها، وآدي النتيجة! الله أعلم دلوقتي هي فين»

تحدثت حبيبة بعصبية: «مفكرتش للحظة إن أختك واقعة في مشكلة ومحتاجة راجل معاها؟!  مخوفتش إنها تلجأ لغيرك؟! أنا لولا عارفة أخلاق فريدة كويس مكنتش سبتها تعيش معاك، مع إنك مش عايش معاها أصلا، وبعدين هنروح بعيد ليه؟ فريدة من أربع أيام كرامتها اتهانت وسط أصحابها في الدرس ومعرفتش تاخد حقها» دهش حسام لما سمعه و علم كيف أخطأ في حق أخته، و سأل

حبيبة: «قصدك إيه؟!»

حبيبة: «هحكيلك، من أربع أيام فريدة طلبت تقابلني…» فلااااش باااااااااك حبيبة وفريدة تجلسان في كافيه في وسط البلد…

حبيبة: «يا حبيبتي اهدي عشان خاطري، اشربي الليمون وقولي لي إيه اللي حصل؟!»

فريدة ببكاء: «النهاردة لما خلصت الدرس ولد حقير معايا في الدرس اسمه أيمن، لقيته جاي يكلمني، فقلت عادي جايز عاوز يسألني على حاجة في الدرس، وقفت معاه لقيت كلامه مش مفهوم و بعد كده…» ظلت فريدة تبكي عندما تذكرت هذا الموقف…

حبيبة: «بس بس، صلي عالنبي كده و كملي براحة»

أكملت فريدة و الدموع في عينها: «بعد كده لقيته حاول يمسك إيدي، روحت ضرباه بالقلم و قبل ما أمشي لقيته راح مزعق

وقايل: عاملة نفسها خضرة الشريفة معايا، وهي عايشة مع شاب عازب في فيلا لوحدهم! واستحلفلي إنه هيرد لي اللي عملته فيه، وفجأة لقيت كل زمايلي اللي كانوا معايا في الدرس فضلوا يبصوا عليا باحتقار»

حبيبة: «و ليه مكلمتيش أخوكي حسام؟!»

فريدة: «تعرفي إن النهاردة أكتر يوم حاسة فيه إن بابا مات؟ وسابني لوحدي من غير ضهر اتسند عليه عشان أقوم لو وقعت!»

حبيبة: «خلاص بقى عشان خاطري، يلا نروح المكان بتاعنا اللي بننسى همومنا فيه» فريدة بابتسامة: «يلا بينا» باااااااااااااك ناجت الدموع عين حسام، ولكنه مسحها سريعا قبلأن تلاحظها حبيبة.

حسام: «يعني دي كانت آخر مرة تشوفي فيها فريدة؟»

حبيبة: «أيوة من ساعتها مشوفتهاش»

حسام: «طب معلش آخر سؤال: هو انتم روحتوا فين بعد كدة؟»

حبيبة: «أنا وفريدة متعودين كل عشر أيام أو أسبوعين، بنروح دار أيتام، بندخل الفرحة على قلوب أطفال ملهومش حد غير ربنا؛ عشان ربنا يبارك فينا ويبارك لينا في ولادنا بعد كده» أطرق حسام برأسه  وظل يضغط بيده عليها لعل الألم الذي تمكن منه يتركه، وهنا صاحت حبيبة مسرعة كأنها تذكرت شيئًا مهما.

حبيبة: «آه صحيح، آخر مرة شفت فيها فريدة سابت لك معايا أمانة» تعجب حسام، ولكن قبل أن ينطق بأي كلمة ذهبت حبيبة إلى غرفتها و عادت معها ظرف.

حسام: «إيه الظرف ده؟!»

حبيبة: «هقول لك على حاجة الأول، فريدة من وهي صغيرة أونكل إسماعيل كان دايما يقول عليها مبروكة، لأنها أي حلم كانت بتحلمه كان دايما إما بيتحقق يا إما يكون له تفسير»

حسام: «و ده إيه علاقته بالظرف ده؟!»

حبيبة: «بعد ما مشينا من الدار وإحنا في عربيتي،

وأنا بوصل فريدة قالت لي: هديكي أمانة توصليها لحسام لما تحسي إن وقتها المناسب جه.  أنا استغربت جدا من موقفها، وزنيت عليها كتير عشان تقول لي إيه اللي حصل؟!

قالت لي: كل اللي اقدر أقوله ليكي إني حلمت حلم قبض قلبي  زنيت عليها تاني عشان أعرف الحلم ده؛ اضطرت تحكيهولي لأنها كانت محتاجة إنها تتكلم عشان ترتاح،

قالت لي: شوفت نفسي في مكان واسع وضلمة أوي، بس شايفة كل حاجة على نور بسيط أوي، كل ما أقرب منه يبعد عني زي السراب، وفي نفس الوقت في ديابة كتير بتطاردني، ومش عارفة تمسكني» استاذن حسام و نزل مسرعا إلى مكتبه.  وما أن دخل إليه حتى دخلا إليه شادي وعمرو.

عمرو: «إيه مافيش أخبار؟!»

حسام: «لا، مش عارف أعمل إيه؟!»

عمرو: «أول مرة أشوف نظرة الخوف على حد في عينيك!»

حسام بأسى: «امبارح أول ما دخلت البيت، حسيته تقيل أوي، مع إني تقريبا مكنتش بتكلم معاها خالص، بس وجودها في البيت كان مخلي فيه روح خفيفة و بهجة. تخيلوا وأنا جاي افتكرت كام موقف عملتهم في وجودي، رغم إني معلقتش على أي موقف منهم، بس كان البيت فيه حركة، منهم موقف حصل من شهر وأنا صممت إني محكيهوش لحد، ونبهت على فريدة كمان»

شادي: «موقف إيه؟!» يستعيد حسام ذاكرته و هو يقول…

حسام: «في يوم كنت في المكتب جالي تليفون…» فلاااش باااا في مكتب حسام يرن هاتفه و يرد حسام.

حسام: «أيوة يا دادة»

كريمة: «الحق بسرعة يا حسام، فريدة اتصلت بيا وقالت لي إنها اتقبض عليها في قسم شبرا!» فزع حسام عندما سمع هذا

و قال: «ليه؟ إيه اللي حصل؟! و إزاي؟»

كريمة: «معرفش، هي اتصلت بيا و قالت لي اتصرفي لي في محامي» أنهى حسام مكالمته مع كريمة ونزل مسرعا إلى سيارته، وذهب إلى قسم الشرطة، وفي رأسه مئات من الأسئلة. ذهب حسام إلى قسم الشرطة وصادف أن الضابط المسئول في هذه الفترة هو شريف، صديق مقرب لحسام،

وعندما أعطى حسام بطاقته للعسكري قائلا له: «ادخل لشريف بيه وقول له الرائد حسام البحيري عاوز يقابل حضرتك» نفذ العسكري ما طلبه حسام، وخرج بعد أن أعطى له شريف أمرًا بدخول حسام،

وقال: «شريف بيه مستنيك جوه» دخل حسام؟ ولكنه عندما خطى الخطوة الأولى لمكتب شريف، وقف وهو مصدوم، لقد رأى منظرًا جعله لا يستطيع الحركة، كأن جسمه بالكامل قد شل في هذه اللحظة، تمنى الموت على أن يرى هذا المنظر، لقد رأى شريف يضرب فريدة على وجهها، ويسبها باقذر الشتائم؛ ورأى فريدة تبكي بحرقة وهي تقسم لشريف أنها لم تفعل شيئا، وعندما رأت حسام ابعدت عينها عنه فورا، لكن حسام رآها ضعيفة هشة، مثل أوراق الخريف، بمجرد أن يضغط عليها أحد ستتفتت إلى مئات القطع،

فاق حسام من صدمته على صوت شريف و هو يقول له: «حسام باشا بجد واحشني»

ثم اكمل للعسكري الواقف في الغرفة: «خد يا ابني البت دي ارميها في الحجز و …»

هنا قاطعه حسام قائلا بعصبية: «إيه يا شريف بيه بصيرتك اتعدمت لدرجة إنك مبقيتش عارف تفرق بين ولاد الناس و المجرمين؟!»

تعجب شريف من رد فعل حسام و قال: «إيه يا حسام، انت هيخيل عليك دموع التماسيح اللي البت دي نزلتهم؟! دي ممسوكة في شقة مشبوهة!»

تمالك حسام أعصابه قائلا: «انت بصيت في بطاقتها؟!»

شريف: «من إمتى يعني و إحنا بنهتم بأساميهم؟!»

قال حسام بعصبية: «لو كنت بصيت في بطاقتها كنت عرفت إنها أختي!» ذهل شريف مما سمعه،

و هنا جرت فريدة إلى حسام وهي تبكي بشدة قائلة له: «والله العظيم يا حسام ما عملت حاجة، أنا كان عندي درس هناك»

أخذها حسام في حضنه قائلا لها: «متخافيش، اهدي بس اهدي»

ثم التفت إلى شريف، قال له: «ممكن تسيبني معاها شوية؟!»

خرج شريف و هو يقول: «المكتب مكتبك يا حسام» و عندما خرج شريف، أجلس حسام فريدة وقال لها: «اهدي بقى واحكي لي إيه اللي حصل بالضبط؟!»

بدأت فريدة تروي بدموعها ما حدث قائلة: «درس الكيمياء اللي كنت باخده عند صاحبتي في بيتها، لقيتها فجأة بتتصل بيا النهاردة الصبح و بتقول لي إنها غيرت مكانه عند واحدة صاحبتها؛ عشان هما بيوضبوا الشقة بتاعتهم، رحت الشقة اللي جابوني منها من أول ما دخلت حسيت إن في حاجة غلط، لسه هقوم أمشي لقيت البوليس جه، بس أنا والله يا حسام و رحمة بابا ما عملتش حاجة!»

قال حسام و هو يهدئه: «خلاص أنا فهمت كل حاجة و هتصرف»

فريدة: «حسام بالله عليك متسيبنيش»

حسام مطمئنا إياها: «متخافيش، هتباتي النهاردة في البيت»

بااااااااااااااااااك حسام: «لما عملت تحرياتي، عرفت إن في ولد ضايقها قبل كده، وهو اللي عمل فيها كده.

روحت له و هددته يومها، قال لي: وانت جاي لي ببصفتك إيه إن شاء الله؟!  لما عرف إني أخوها جابوه في القسم وضغطوا عليه واعترف، ونبهت على فريدة متجيبش سيرة باللي حصل لحد، وده كان آخر موقف جمعني بيها، من ساعتها متكلمتش معاها، بس قلت لها تخلي كل الدروس في البيت عندنا» تأثر عمرو و شادي لكلام صديقهما، ولكنهم لا يملكون شيئا سوى التخفيف عنه، وبينما هم يتحدثون دخل عليهم رجل فتفاجؤوا جميعا.

حسام: «إيه ده الفار داخل المصيدة برجليه؟! جمال الأسيوطي بنفسه في مكتبي؟!»

جمال: «الله، ده الحبايب كلهم متجمعين، حسام البحيري و شادي سليمان و عمرو حماد»

عمرو: «ربنا رايد إن انت تبقى عدونا إحنا الثلاثة، كل واحد فينا ليه عندك ثار ومش هيسيبه»

جمال بثقة: «بس أظن حسام بيه بعد دقايق هيغير رأيه»

شادي بسخرية: «ليه؟! جايب له رشوة محترمة زي اللي عرضتها عليا عشان كنت السبب في موت أخويا؟!» أخرج جمال تليفونه من جيبه، وأجرى اتصالا، بينما وقف الجميع مندهشين من تصرفه هذا، وفجاة أعطى جمال لحسام الهاتف، تعجب حسام من فعل جمال، ولكنه أخذ الهاتف.  فجأة جلس حسام على مكتبه غير مصدق ما سمعه،

ويقول: «فريدة!» وقف شادي وعمرو عندما سمعوا اسم فريدة ؛

وظل حسام يردد: «فريدة انتي كويسة؟!  حد عمل لك حاجة؟!»… أخذ جمال الهاتف من حسام و هو يقول: «لحد دلوقتي أختك محدش قرب منها، بس لو مسمعتش الكلام هيبقى في تصرف تاني!»

حسام بعصبية: «ورحمة أبويا يا أسيوطي لو حد لمس شعرة واحدة من فريدة لأخليك تتمنى الموت ومش هتطوله؛ لأنه هيبقى راحة ليك من العذاب اللي هتشوفه على إيديا»

جمال بابتسامة نصر: «اهدا شوية يا حسام بيه، و شوف مين صباعه تحت ضرس التاني»

خرج جمال و هو يقول: «هاتصل بيك تاني عشان أقول لك أنا عاوز إيه؟»

حسام بغيظ: «والله العظيم ما هسيبك، ونهايتك هتبقى على إيدي يا كلب!»

التفت له جمال: «بلاش غلط عشان مزعلش منك، أنا زعلي وحش، ومش عاوز أطلعه عالسنيورة أختك» جلس حسام وهو يشعر  بالضيق، ويشعر أن رئتيه توقفتا عن استقبال الهواء، لقد علم عدوه نقطة ضعفه التي لم يعلمها حسام سوى في اللحظة التي فقدها فيها، وأخذ منه أغلى ما يملك ويهدده به، ظل حسام فترة ليستوعب ما هو فيه هل هذا حلم؟ لا، إنه كابوس.

ظل يتردد في صدى عقله صوت فريدة وهي تقول له: «الحقني يا حسام!»

——————————————————————————————-

في ذلك الوقت في غرفة بيري كانت تجلس مع أختها شاهي…

شاهي: «خلاص يا بيري اهدي بقى؛ كده هيجرالك حاجة!»

بيري بعصبية: «البيه بقاله خمس أيام مبيسألش عليا، وبكلمه دلوقتي تليفونه مقفول»

شاهي: «خلاص سيبك منه بقى، ده انتي ألف واحد يتمناكي»

بيري: «مش أنا اللي أتساب، أنا أسيب متسابش، أنا هروح له شغله»

شاهي: «تبقي اتجننتي؛ مش فاكرة آخر مرة روحتي له فيها عمل إيه؟»

بيري: «يعمل اللي هو عاوزه، بس لازم أتكلم معاه!» و بالفعل، غيرت بيري ملابسها وذهبت إلى حسام في مكان عمله، وعندما دخلت غرفته وجدته يجلس مع عمرو و شادي، وتبدو عليه العصبية الشديدة؛ خافت وفكرت في التراجع، لكنها استجمعت قوتها وقررت ألا تتراجع. عندما رآها حسام تعصب جدا، ولاحظ عمرو وجهه وطلب من شادي الخروج معه، و ما إن خرجا حتى ذهبت بيري ووقفت أمام مكتبه قائلة بدلع يكرهه

حسام: «كده برضو يا حبيبي! متسألش عليا كل ده؟!»

رد حسام بحزم: «اتعدلي يا بيري، أنا مش فاضي لدلعك ده، أنا فيا اللي مكفيني و زيادة!»

بيري: «مالك يا حسام؟!»

حسام: «أنا كم مرة أقول لك متجيش هنا وبرضو مش بتسمعي الكلام؟!»

بيري: «ما انت من يوم موت باباك، وأختك اللي ظهرت لك في البخت جديد دي، وانت مش مديني أي اهتمام!»

حسام: «بيري ارحميني بقى، أنا مش عارف مكان فريدة و مش عارف أعمل حاجة!»

بيري: «تلاقيها حست على دمها ومشيت، أحسن أهو نرتاح منها، قول لي بقى هتيجي تتقدم لي إمتى؟!» حسام بصوت مرتفع،

لم يستطيع التحم في أعصابه: «امشي يا بيري من وشي الساعة دي أحسن لك» خرجت بيري مسرعة خوفا من حسام، و ما إن خرجت حتى دخل عمرو و شادي.

عمرو: «اهدى يا حسام حصل حاجة؟!»

حسام: «لا مفيش، أنا هروح آخد حمام وأغير هدومي وأستنى تليفون الأسيوطي» شادي

بذعر: «اوعى تقول إنك هتنفذ له طلباته!»

حسام بألم: «مش هسيبه يلمس شعرة من فريدة و لا يضرها، و بعدين أنا لسه معرفش هو عاوز إيه!»

عمرو: «هيكون عاوز إيه؟! أكيد شيء قذر زيه!»

حسام: «يووووه، أنا مش عارف حاجة!» كاد حسام أن يخرج لولا أنه تذكر شيئا قد نسيه، الظرف الذي أعطته له حبيبة، أخذه وذهب إلى بيته… وعندما وصل كان لأول مرة يشعر أن البيت كئيب، لا يريد أن يدخله، أحس أن ينقصه شيء هام.

قطع تفكيره صوت كريمة و هي تقول: «ها يا ابني مفيش أخبار؟!»

رد حسام و هو يدخل بيته: «لسه يا دادة. لو سمحتِ اعملي لي كوباية لبن»

كريمة: «طب أحضر لك لقمة تاكلها أحسن؟!»

حسام: «لا يا دادة، لو سمحت اعملي اللي قلت لك عليه»

كريمة: «حاضر يا ابني» و عندما ذهبت كريمة جلس حسام وفتح الظرف و وجد فيه رسالة مطوية من أخته

تقول له: «حسام، أنا مش عارفة أنا حصل لي إيه عشان حبيبة تديك الظرف ده، بس أكيد حاجة من الاتنين، يا إما ربنا رحمني وأخدني عند بابا و ماما، يا إما حاجة تانية وحشة حصلت لي، أيا كان، أنا عاوزة أقول لك إني عارفة إنك مكنتش طايقني معاك في البيت، وكنت مغصوب إني أعيش معاك بس عشان تنفذ وصية بابا، و عندك حق إنك تكون مش طايقني بعد اللي بابا عمله في مامتك، بس كان لازم تفهم إني أنا آخر واحدة ممكن تحاسبها على ده لأني مليش ذنب. عامة أنا عاوزة أقول لك حاجة عشان أبقى ريحت ضميري، ابعد عن بيري يا حسام متنفعكش، أنا مرة وأنا رايحة الدرس شوفتها ماشية مع واحد بطريقة مش كويسة، أنا قلت أعمل اللي عليا وأنبهك.

فريدة ملحوظة: يوم ما اتقبض عليا رغم إنه كان أسوا موقف أنا اتحطيت فيه، بس بجد كان أحلى يوم في حياتي؛ لأن ده اليوم الوحيد اللي حسيت فيه إن ليا أخ خايف عليا». طوى حسام رسالة أخته، وترك لدموعه العنان لتنزل، وفي رأسه مائة ألف سؤال، كان قلبه يعتصر ألما على أخته، لم يعلم قيمة الكنز الذي يملكه إلا بعد فوات الأوان، ولكن لا، لن يسمح لأحد أن يلمس شعرة واحدة من أخته، سيفعل المستحيل لينقذها، فهو على أتم استعداد أن يخسر أي شيء مقابل أن يعيدها إلى بيتها سالمة غانمة. ظلت في رأس حسام تدور مئات الأفكار، أحس بمعركة حامية في رأسه،

ولكن لا يتردد في ذهنه سوى كلمات أبيه الأخيرة: « أختك يا حسام أمانة في رقبتك، هي عرضك و شرفك،  صونها و احفظها».  و يتذكر صوت فريدة على الهاتف كانت تستنجد به: «حسام بالله عليك الحقني، أنا خايفة»  ازدادت دموعه و ازداد معها إصراره على أن ينقذ أخته. أخذ هاتفه و صعد إلى الدور الآخر لينتظر مكالمة جمال الأسيوطي…

————————————————————————————————————

في مكان آخر بعيد نسبيا، وتحديدا غرفة تحت الأرض، كانت فريدة تجلس منكمشة على نفسها، تبكي بحرقة على ما أصابها، ترتجف من الخوف؛ فالمكان صغير و لا يوجد به سوى سرير خشبي صغير تجلس عليه. فريدة كانت تدعو الله أن يحنن قلب أخيها عليها و يأتي لإنقاذها، وكانت تتذكر كلمات أبيها عنه، كان دائما

يقول لها: «عارفة يا ديدة، أخوكي أول ما يعرف إنه عنده أخت هيتصدم أوي، وهتلاقيه بيعاملك وحش رغم إنه عارف إنك ملكيش ذنب في أي حاجة، قلبه هيحن ليكي و هيقاوح نفسه بس أول ما يحس إنك في خطر مش هيهمه حد وهيهد الدنيا؛ لأن مفيش أحن من الأخ على أخته مهما قسي عليها، وحسام بالذات حنيته ملهاش حدود، بس مبيحبش يبينها، بيفتكرها ضعف!» و كانت تحدث نفسها

قائلة: «يا رب يكون كلامك صح يا بابا، يا رب أنا طمعانة في رحمتك، حنن قلبه عليا، و بعد كده أنا مستعدة أسافر أي مكان وأسيبه براحته، بس خليه يجي

ينقذني: «ثم تذكرت موقفه معها في القسم، ورأت كيف كان خائفا عليها، لكنه عاد لجفافه معها مرة أخرى. (مسكينة حقا يا فريدة! لا تعلمين كم هو خائف عليكِ؛ لا تعلمين ماذا تعني الأخت بالنسبة لأخيها؛ لا تعلمين مدى حنان الأخ على أخته)

————————————————————————————————————-

و في فيلا حسام، دخل إلى غرفة فريدة، يشعر بالاشتياق إليها رغم أنه لم يقترب منها في يوم قط، أغلق عينيه ثم زفر بقوة وأخذ يتذكر كم كانت تجعل للبيت روحا بحركتها فيه وخفة ظلها، وتذكر حسام موقف والده معه حين كان صغيرا، ذهب به والده وأمه إلى حديقة ووجد حسام كل الاطفال يلعبون مع أخواتهم؛ وكان هو وحيدا، وفي هذا اليوم سأله

والده: «إيه يا حسام؟ مانفسكش في أخ أو أخت تلعب معاهم؟!»

حسام: «أكيد نفسي يا بابا، بس مش معقول يعني دلوقتي، أنا عندي 12 سنة، وخلاص اتعودت أعمل كل حاجة لوحدي» في هذا اليوم نظر له والده نظرة لم يفهمها حسام… فتح حسام عينيه وقد تجمعت بهما الدموع،

وقال في نفسه: «دلوقتي بس يا بابا عرفت بصتك دي كان معناها إيه؟» في هذا الوقت جاءه الاتصال الذي كان ينتظره.

رد حسام بلهفة: «ألو»

المتصل: «…»

حسام: «هعمل كل اللي انت عاوزه، بس أرجوك محدش يقرب من فريدة!»

——————————————

عن admin

شاهد أيضاً

#ورا_كل_شباك_حكاية ( الحكاية التانية )

  ياريت و أنت نازل تاخد كيس الزبالة معاك ، و إنتي متتأخريش الساعة ٨ …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *